تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 43)جامع البيانالطبري١٣/٤٣: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن فرعون لما بهت وأفلس من الحجة ورأى السحرة قد سجدوا وأعلنوا إيمانهم، خشي أن تؤمن الجماهير الحاشدة كلها ويسقط ملكه؛ فلجأ إلى المغالطة السياسية واختلاق المؤامرة، فقال مستنكراً ومستكبراً: {آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}؛ أي كيف تتجرؤون على الإيمان وتغيير دينكم بغير إذني وأمري وأنا ملككم وإلهكم المطاع؟ ثم رماهم بتهمة التآمر والخيانة العظمى: {إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ}؛ أي إن هذا اتفاق وتواطؤ سري دبرتموه أنتم وموسى في عاصمة مصر لتسلبوا القبط ملكهم وتخرجوهم من ديارهم وتستولوا عليها أنتم وبنو إسرائيل؛ ثم توعدهم بالعذاب: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 451)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥١: يوضح ابن كثير أن هذا البهتان من فرعون كان أسلوباً دكتاتورياً مكشوفاً لصرف أنظار الشعب عن المعجزة الباهرة وعن هزيمته النكراء؛ فتحول من حلبة المناظرة العلمية والمعجزات التي خسرها إلى حلبة التخوين والتحريض القومي؛ لإثارة حمية العامة ضد السحرة وموسى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 254)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٥٤: يذكر القرطبي أن فرعون استعمل أخبث حيل الساسة الجائرين، وهو إيهام العامة بأن أمنهم القومي ووجودهم في خطر؛ ليبرر بطشه القادم بالسحرة وإرهاب كل من تسول له نفسه الإيمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{آمَنتُم}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي حذفت أو سُهلت في بعض القراءات، والفعل آمن.
{آذَنَ}: أذِن يأذَن إذناً، وأَذِنَ له أباح له ورخص، وآذَنَ رباعي بمعنى أذن وأعطى الرخصة والأمر.
{لَمَكْرٌ}: المكر هو التدبير الخفي بالحيلة والخديعة لإلحاق الضرر بالغير.
الإعراب والتركيب:
{قَالَ فِرْعَوْنُ}: فعل ماضٍ وفاعل.
{آمَنتُم}: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعل، والهمزة للاستفهام التوبيخي مقدرة أو محققة بحسب القراءة، والجملة مقول القول.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (آمنتم)، والضمير يعود على الله تعالى أو على موسى.
{قَبْلَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ (آمنتم) وهو مضاف.
{أَنْ آذَنَ}: المصدر المؤول في محل جر بالإضافة، و(آذن) فعل ماضٍ وفاعله مستتر تقديره أنا.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (آذن).
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{هَٰذَا}: اسم إشارة مبني في محل نصب اسم إن.
{لَمَكْرٌ}: اللام المزحلقة للتوكيد، (مكر) خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مَّكَرْتُمُوهُ}: فعل ماضٍ وفاعله التاء، والواو لإشباع الضم، والهاء مفعول به، والجملة في محل رفع نعت لـ (مكر).
{فِي الْمَدِينَةِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (مكرتموه).
{لِتُخْرِجُوا}: اللام لام التعليل، (تخرجوا) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ (مكرتموه).
{مِنْهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (تخرجوا).
{أَهْلَهَا}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
{فَسَوْفَ}: الفاء استئنافية، (سوف) حرف استقبال للتسويف والتهديد.
قرأ قالون والبزي وأبو عمرو ورويس بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع الإدخال أو عدمه في الهمزتين {ءَآمَنتُم}.
وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية أو إبدالها ألفاً محضة مع المد المشبع.
وقرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي بهمزة واحدة على الإخبار {آمَنتُم}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال النفسي لفرعون من الطغيان المغرور إلى الطغيان المذعور الذي يلجأ للتهديد الأجوف: {آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}، ثم الاتهام بالمؤامرة، ثم التهديد الحتمي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}.
الإيجاز في حذف مفعول {تَعْلَمُونَ} لتعظيم التهديد وإلقاء الرعب في قلوب السامعين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يدعي فرعون أن السحرة وموسى تآمروا في المدينة، مع أن فرعون هو الذي استدعى السحرة من شتى المدائن والأقاليم وموسى لم يرهم قط قبل ذلك اليوم؟
الدفع والمحاكمة العقلية: هذا هو جوهر السلوك الطغياني؛ فالطاغية حين يعجز برهانه وتسقط هيبته يخاطب أتباعه بأكاذيب واضحة البطلان يعلم هو وهم أنها كذب؛ ولكن هدفه ليس إقناع العقول بل تبرير القمع الجسدي وتوحيد الجبهة الداخلية القبطية ضد بني إسرائيل والسحرة بدعوى الخطر الوجودي وإخراج أهل البلد من أرضهم؛ وهو ديدن كل مستبد عبر التاريخ حين يحول الصراع بين الحق والباطل إلى صراع قومي وأمني مزعوم.
الاستفهام الإنكاري في {آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}: يعكس عقلية المستبد التي تظن أنها تملك الأجساد والأرواح والعقول، حتى كأن الإيمان والضمير القلبي بحاجة إلى رخصة وبطاقة تصريح ملكية!
التوكيد بإن واللام في {إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ}: محاولة يائسة لتثبيت فرية مختلقة لإقناع الحاضرين بأمر لا حقيقة له في الواقع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المستبدون لا يعترفون بحرية الضمير، ويعدون إيمان العبد بربه تمرداً على سلطانهم الدنيوي؛ لأن التوحيد يحرر الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
سلاح "نظرية المؤامرة والتخوين" هو الحيلة المفلسة الدائمة التي يلجأ إليها الطغاة عند اندحار باطلهم أمام نور الحق.