تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 53)جامع البيانالطبري١٣/٥٣: ينقل الطبري أن بني إسرائيل لما سمعوا وعيد فرعون بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم جزعوا واضطربوا، فثبتهم كليم الله موسى بالمنهج الرباني الراسخ: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا}؛ أي اطلبوا العون والنصر من القادر الذي لا يغلبه غالب، واصبروا على ما ينالكم من المكاره في ذات الله؛ فإن ملك مصر ليس ملكاً لفرعون ولا لقومه، بل {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}، والنصر النهائي والظفر في العاقبة إنما هو للمتقين الذين يخافون الله ويطيعونه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 455)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٥: يوضح ابن كثير أن موسى عليه السلام وجه قومه إلى ركني النصر والتمكين: الاستعانة بالله والصبر؛ ثم فتح أمامهم نافذة الأمل بالوعد الإلهي القاطع بأن الأرض ملك لله يتصرف فيها بحكمته، وأنه سيسلبها من الظالمين ويورثها للمستضعفين إذا حققوا التقوى.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 299)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٢٩٩: يذكر السعدي أن هذه الآية قاعدة ذهبية في فقه الاستضعاف؛ فالاستعانة بالله تبرؤ من الحول والقوة الشخصية، والصبر حبس للنفس عن الجزع، واليقين بسنن الله في تداول الأيام ينفي اليأس من القلوب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{اسْتَعِينُوا}: استعان يستعين، السين والتاء للطلب، أي اطلبوا المعونة والمدد من الله وحده.
{يُورِثُهَا}: أورث يورث إيراثاً، والإرث انتقال المال أو الملك من قوم إلى آخرين دون معاوضة.
{وَالْعَاقِبَةُ}: مأخوذة من العَقِب، وهي المآل والنهاية الحميدة في الدنيا والآخرة.
الإعراب والتركيب:
{قَالَ مُوسَىٰ}: فعل ماضٍ وفاعل مرفوع بضمة مقدرة.
{لِقَوْمِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (قال)، والهاء مضاف إليه.
{اسْتَعِينُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{بِاللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (استعينوا).
{وَاصْبِرُوا}: معطوف على استعينوا مبني مثله.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الْأَرْضَ}: اسم إن منصوب بالفتحة.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن.
{يُورِثُهَا}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به أول، والجملة في محل نصب حال من لفظ الجلالة أو مستأنفة لبيان التصرف بالملك.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ (يورث).
{مِنْ عِبَادِهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (من).
{وَالْعَاقِبَةُ}: الواو عاطفة أو استئنافية، مبتدأ مرفوع بالضمة.
{لِلْمُتَّقِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
اتفق القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في ألفاظها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد النبوي الحكيم في مواجهة صلف فرعون: فرعون قال: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} متكئاً على عروش الطين وسلطان الأرض الزائل؛ فجاء موسى ليعيد ضبط البوصلة نحو القوة الحقيقية: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ}؛ فبطل دعوى فرعون وتصاغر سلطانه أمام ملكوت الله.
الترتيب المحكم: البداية بالواجب الميداني على العباد (استعينوا + اصبروا)، ثم التذكير بالحقيقة الكونية (الأرض لله)، ثم البشارة بالوعد المحتوم (العاقبة للمتقين).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يعدهم موسى بإيراث الأرض والعاقبة وهم في أشد حالات الضعف وتحت التهديد بالذبح والقتل؟
الدفع والمحاكمة العقلية: هذا هو الإيمان الحق الذي يرى بنور الوحي ما لا تراه الأبصار المقيدة باللحظة الحاضرة؛ فسنن الله التاريخية قاضية بأن الظلم إذا بلغ نهايته حان هلاكه، وأن الاستضعاف مع التقوى والصبر هو مخاض التمكين؛ فالوعد النبوي ليس تمنياً عبثياً بل هو استناد إلى السنن الإلهية الحاكمة لمسار الأمم والحضارات.
صيغة التوكيد بـ «إنَّ» في {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ}: لنزع أي قداسة أو ملكية حقيقية يتوهمها الفراعنة والمستبدون؛ فالأرض ليست لمن يحكمها بالقهر بل لمالكها وخالقها سبحانه.
التعبير بـ {يُورِثُهَا}: إشارة إلى سهولة انتقال الملك حين يشاء الله؛ كما ينتقل الميراث للوارث بغير كلفة، وكما يزول أصحاب الملك المستبد سريعاً ويبقى المستخلف الصالح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
واجب القائد الرباني عند نزول الأزمات والتهديدات: تثبيت الصف وتوجيه القلوب إلى الاستعانة بالله والصبر، وعدم الاستسلام للهلع واليأس.
حتمية النصر والتمكين مشروطة بشرطين قطعيين: الاستعانة الصادقة بالله مع الصبر، وتحقيق التقوى في القول والعمل.