أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 291)جامع البيانالطبري١٢/٢٩١ بسنده عن قتادة والسدي في قوله تعالى: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}: "الدعوى هنا بمعنى القول والدعاء والاعتراف؛ أي لم يكن لهم عند نزول العذاب وبأس الله قول ولا حجة يدلون بها ولا معذرة يعتذرون بها إلا الاعتراف الصريح بالظلم والشرك؛ فقالوا: يا ويلنا إنا كنا ظالمين، ولكن لم ينفعهم اعترافهم حين عاينوا البأس".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 376)مصدر غير محدد٣/٣٧٦: "أي: ما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا اعترافهم بذنوبهم وظلمهم، كما قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ... قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(دَعْوَاهُمْ): الدعوى هنا هي القول والادعاء والتضرع؛ من الدعاء، وتطلق على المذهب والقول المتكرر.
الإعراب والتركيب:
{فَمَا}: الفاء عاطفة للتفريع، (ما) نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{دَعْوَاهُمْ}: اسم (كان) مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهم مضاف إليه (أو خبر كان مقدم).
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون متعلق بـ (دعواهم) أو بالاستقرار في الخبر.
{جَاءَهُم بَأْسُنَا}: فعل ومفعول به وفاعل مضاف إلى (نا)، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذ).
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء.
{أَن قَالُوا}: المصدر المؤول (أن قالوا) في محل نصب خبر (كان) مؤخر (أو اسمها إن كانت دعواهم خبراً)؛ والتقدير: فما كان دعاؤهم إلا قولَهم: إنا كنا ظالمين.
{إِنَّا}: إن واسمها (نا).
{كُنَّا ظَالِمِينَ}: كان واسمها وخبرها منصوب بالياء، وجملة إنا كنا ظالمين مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبيان لحظة الحقيقة المرة: بعد أن ذكر مباغتة البأس الإلهي لتلك القرى في الآية السابقة، صور في هذه الآية رد فعلهم النفسي والقولي فور وقوع الكارثة؛ فتبخرت كل دعاويهم الكاذبة، وسقطت آلهتهم المزعومة، ولم يبقَ على ألسنتهم إلا كلمة واحدة تفيض بالمرارة والندامة: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}؛ ولكن في وقت فات فيه أوان النجاة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان الاعتراف بعد نزول البأس:
تؤكد الآية سنة إلهية قطعية: أن الاعتراف بالذنب والتوبة عند معاينة البأس والعذاب الاستئصالي لا ينفعان صاحبهما {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ}؛ لأن الإيمان المنجي هو الإيمان الاختياري بالغيب قبل حلول العذاب.