تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 204)جامع البيانالطبري١٣/٢٠٤: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الله تعالى فرق بني إسرائيل وشتتهم في بقاع الأرض وأقاليمها {أُمَمًا} أي طوائف وجماعات شتى ممزقة لا تجمعهم أرض واحدة ولا تجمعهم راية جامعة؛ ثم أنصف في وصفهم: {مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ} وهم الذين استقاموا على دين موسى أو آمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ} وهم الفاسقون والكافرون والعصاة؛ وعاملهم الله بسنة الابتلاء: {وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ} وهي الرخاء والخصب والعافية والغنى، {وَالسَّيِّئَاتِ} وهي الجدب والشدة والفقر والأمراض والخوف؛ والغاية التربوية: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى التوبة والإنابة لربهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 501)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٠١: يوضح ابن كثير أن التشتيت والشتات في الأرض كان عقوبة على بغيهم؛ ومع ذلك عاملهم الله بالترغيب والترهيب (الحسنات والسيئات) لعل القلوب تلين؛ والتقسيم القرآني يبرهن على العدل الإلهي في عدم التعميم، فالصالحون محفوظ فضلهم عند الله.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 304)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٠٤: يذكر السعدي أن البلاء بالحسنات أشد فتنة من البلاء بالسيئات؛ فالأول يختبر الشكر، والثاني يختبر الصبر؛ والله تعالى يقلب عباده بين النعماء والبأساء ليرجعوا إلى طاعته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَقَطَّعْنَاهُمْ}: التقطيع التجزئة والتفريق الشديد، وأصله قطع الشيء أجزاء متباعدة.
{دُونَ ذَٰلِكَ}: دون ظرف يفيد الانحطاط عن الرتبة، أي مقصرون عن مرتبة الصلاح وهم أهل الفسق والظلم.
{وَبَلَوْنَاهُم}: الابتلاء الاختبار والامتحان.
الإعراب والتركيب:
{وَقَطَّعْنَاهُمْ}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل والهاء مفعول به أول.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (قطعناهم).
{أُمَمًا}: مفعول به ثانٍ لـ (قطعناهم) على تضمينه معنى جعلناهم، أو حال منصوبة بالفتحة من المفعول به.
{الصَّالِحُونَ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مستأنفة أو نعت لأمماً.
{وَمِنْهُمْ}: الواو عاطفة، جار ومجرور خبر مقدم.
{دُونَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف صلة أو صفة، وهو مضاف.
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مضاف إليه، والمبتدأ المؤخر محذوف تقديره: ومنهم قوم دون ذلك، والجملة معطوفة.
{وَبَلَوْنَاهُم}: فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به.
{بِالْحَسَنَاتِ}: متعلقان بـ (بلوناهم).
{وَالسَّيِّئَاتِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{لَعَلَّهُمْ}: حرف ترجٍّ ونصب والهاء اسمها.
{يَرْجِعُونَ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة خبر لعل.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في كلماتها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة المزدوجة المعجزة:
بين أصناف الناس: {الصَّالِحُونَ} مقابل {دُونَ ذَٰلِكَ}.
بين أنواع الابتلاء: {بِالْحَسَنَاتِ} مقابل {وَالسَّيِّئَاتِ}.
تعليل الغاية بـ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: يفيد أن الأقدار الإلهية في العطاء والمنع، والتمكين والتشتيت، كلها مسخرة لغايات تربوية تدعو البشرية إلى الرجوع لربها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا عبر بلفظ {دُونَ ذَٰلِكَ} ولم يقل "ومنهم الفاسقون أو الكافرون"؟
الدفع والمحاكمة اللغوية والبلاغية: هذا من أرقى أساليب الأدب القرآني الرفيع والتدرج في التعبير؛ فاستعمل الأدنى للدلالة على تفاوت مراتبهم في النقص؛ ففيهم من هو قريب من الصلاح ولكنه مقصر، وفيهم الفاسق، وفيهم الكافر المغرق في الضلال؛ فاستوعب هذا اللفظ اللطيف كل الرتب المنحطة عن درجة الصالحين المطلقة، مع ما فيه من تجنب التصريح بالقبيح تلميحاً وتأديباً.