تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 140)جامع البيانالطبري١٣/١٤٠: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ} أي سكن وهدأ غضبه وزالت فورة الغيظ التي اعتترته؛ أقبل على الألواح التي كان قد ألقاها فأخذها وجمع ما تكسر منها؛ {وَفِي نُسْخَتِهَا} أي فيما نسخ وكتب فيها من التوراة المستقرة، أو فيما بقي في الألواح بعد تكسرها؛ {هُدًى وَرَحْمَةٌ} أي بيان للحق وإرشاد إلى الصراط المستقيم، ورحمة من الله تنقذهم من العذاب والضلال؛ لمن؟ {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} أي للذين يخافون مقام ربهم ويخشون وعيده فينقادون لأمره.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 483)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٨٣: يوضح ابن كثير البلاغة المعجزة في قوله {سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ} حيث جعل الغضب كأنه آمر أو مغرٍ يلح عليه ويهيجه، فلما سكت وهدأ عاد موسى إلى حلمه المعهود فتناول الألواح بعناية؛ وفي نسختها المودعة فيها الهدى والرحمة للمتقين الخائفين من ربهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 308)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٠٨: يذكر القرطبي أن الألواح تضمنت جوامع الأحكام، وأن الانتفاع بهذا الهدى والرحمة مخصوص بالذين يرهبون ربهم؛ لأن الخوف من الله هو الذي يدفع القلب للعمل بالأحكام وتعظيم النصوص.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَكَتَ}: السكوت قطع الكلام؛ واستعمل هنا مجازاً واستعارة مكنية في معنى سكون الغضب وذهابه وتوقفه عن تحريك النفس.
{نُسْخَتِهَا}: النُّسْخَة هي ما يُنقل ويُكتب من الأصل حرفاً بحرف، أو المراد أصل ما كان مكتوباً في تلك الألواح.
{لِّلَّذِينَ}: اللام حرف جر للاختصاص، اسم موصول مبني في محل جر متعلق بمحذوف نعت لهدى ورحمة.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{لِرَبِّهِمْ}: اللام للتقوية؛ لأن الفعل (يرهبون) متعدٍّ وقد تقدم مفعوله فزيدت اللام لتقوية العامل، أو حرف جر متعلق بـ (يرهبون)، والهاء مضاف إليه.
{يَرْهَبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (هم)، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني الخارق: بعد انتهاء مشهد العتاب والمحاسبة ودعاء المغفرة في الآيات السابقة، عادت السكينة والهدوء لموسى؛ فاستعاد الألواح التي ألقاها في فورة الغضب؛ لبيان أن إلقاءها كان لعارض طارئ فلما زال العارض عاد لتعظيمها وأخذها بعناية.
تخصيص الهدى والرحمة بـ {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}: لأن الكتاب وإن كان هداية عامة لجميع الناس، إلا أن المنتفع بحقائقه والمهتدي بهديه هم أهل الخشية والوجل من الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا عبر بـ {سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ} ولم يقل "سكت موسى عن الغضب"؟
الدفع والمحاكمة العقلية: هذا من أعظم إعجاز القرآن البياني في علم النفس الإنساني؛ فجعل الغضب كأنه سلطان قاهر أو ناطق يلح على موسى ويأمره بالبطش والانتقام للتوحيد، فلما فرغ من عتابه وتضرعه سكت ذلك الصوت الغاضب وانقشع؛ ونسب السكوت إلى الغضب نفسه لا إلى موسى لبيان أن موسى لم يكن مستسلماً لهواه بل كان مغلوباً بقوة الغضب لله، فلما أذن الله بسكونه سكت وهدأ؛ ففي هذا تنزيه لموسى وبيان لشدة غيرته على دين الله.
الاستعارة التصريحية والمكنية في {سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ}: تشبيه الغضب بإنسان ناطق آمر ثم سكت؛ وهو تمثيل حسي رائع لتحول النفس من ثورة الانفعال إلى سكون الرضا.
زيادة اللام في {لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}: أفادت تقوية المعنى والاهتمام؛ فقدم المعمول للدلالة على الإخلاص؛ أي لربهم وحده دون سواه يخافون ويرهبون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحلم بعد الغضب شيمة الأنبياء والمصلحين: فالمؤمن قد يغضب للحق ويثور لله، ولكنه يرجع سريعاً إلى حلمه ووقاره إذا زال سبب الغضب.
لا ينتفع بالوحي والشريعة إلا القلوب الخاشعة الراهبة من الله: فالاستكبار يحجب أنوار التوراة والقرآن، والرهبة تورث الهداية والرحمة.