تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 42)جامع البيانالطبري١٣/٤٢: ينقل الطبري عن السدي وابن عباس أن السحرة قالوا: {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} احترازاً وتوضيحاً قاطعاً؛ لئلا يقول فرعون أو يظن الملأ أنهم عنوه بقولهم: {بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، لما كان قد غر الناس بقوله: أنا ربكم الأعلى؛ فقطعوا عليه كل مكر وتلبيس ونسبوا ربوبيتهم إلى الإله الحق الذي أرسل موسى وهارون.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 450)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٠: يؤكد ابن كثير أن هذا التخصيص بعد التعميم هو غاية في الذكاء والدقة العقدية؛ لأن فرعون كان يدعي الربوبية، فلو قالوا: برب العالمين، لأمكن لفرعون ومؤيديه أن يموهوا على العامة؛ فبينوا بياناً لا لبس فيه أن إيمانهم هو بالإله الذي يدعو إليه موسى وهارون عليهما السلام.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 298)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٢٩٨: يرى السعدي أن هذا الوصف يدل على تمام معرفتهم وإخلاصهم؛ حيث اعترفوا بربوبية الله وبصدق رسالة موسى وهارون معاً في جملة واحدة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُوسَىٰ}: اسم نبي الله كليم الله، ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة (أو للتأنيث المعنوي للألف المقصورة).
{وَهَارُونَ}: هارون أخو موسى ووزيره ونبي من أنبياء بني إسرائيل، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة وزيادة الألف والنون.
الإعراب والتركيب:
{رَبِّ}: بدل أو عطف بيان من (رب العالمين) في الآية السابقة مجرور مثله بالكسرة الظاهرة وهو مضاف.
{مُوسَىٰ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة المقدرة منع من ظهورها التعذر نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف.
{وَهَارُونَ}: الواو عاطفة، (هارون) معطوف على موسى مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء على جر {رَبِّ} بالكسرة بدلاً من الأول، وفتح {وَهَارُونَ} بالمنع من الصرف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا عطف بيان وإيضاح بعد إبهام؛ فقولهم {بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} تقرير للأصل الكلي الجامع، وقولهم {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تعيين للجهة وقطع للطرق الالتفافية على الباطل.
جمعوا بين الأخوين موسى وهارون اعترافاً برسالتهما المشتركة في دعوة فرعون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا قدم السحرة موسى على هارون هنا، بينما في سورة طه قيل: {رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} [طه: 70]؟
الدفع والمحاكمة العقلية: تقديم موسى هنا هو الأصل الطبيعي؛ لأن موسى هو صاحب المعجزة المباشرة وصاحب العصا والخطاب والمناظرة؛ وأما تقديمه هارون في سورة طه فكان مراعاةً لفواصل الآيات القرآنية التي بنيت على الألف المقصورة (هدى، طوى، استوى، يوحى، ألقى)، وكلا الأسلوبين في غاية الإعجاز والبلاغة التي تراعي مقتضى الحال ورعاية النغم البياني القرآني دون إخلال بأصل المعنى التوحيدي.
البدلية وعطف البيان: يفيد تثبيت الحقيقة وقطع أي محاولة للمخاتلة؛ فالإيمان ليس فكرة مجردة بل هو التزام بمنهج الرسل الحقيقيين.
الدقة في إفساد كيد فرعون: السحرة بحكم مخالطتهم للبلاط الفرعوني يعلمون كيف كان فرعون يحرف الكلام ويلبس على الناس، فسدوا عليه كل باب للتحريف بكلمة جامعة حاسمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
من كمال الفقه في الدين والصدع بالحق إغلاق الذرائع أمام أهل الباطل وألا يترك الداعية أو المؤمن كلامه حمّال أوجه قد يستغله الطغاة لتضليل الجماهير.
الاعتراف بفضل الرسل وأتباعهم ونصرتهم جهراً علامة صدق الإيمان في القلوب.