تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 81)جامع البيانالطبري١٣/٨١: يروي الطبري عن قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وابن زيد أن الله لما أنجى بني إسرائيل وفلق لهم البحر وعبروا إلى بر الأمان ورأوا مصارع أعدائهم بأعينهم، مروا في طريقهم بسيناء بقوم من الكنعانيين أو لخم مقيمين على عبادة أصنام لهم على صور البقر؛ فظهرت على الفور رواسب الوثنية وطبائع التقليد الأعمى في نفوس رعاع بني إسرائيل، فقالوا لموسى بجهل فظيع: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}؛ فاشتد غضب موسى ووبخهم توبيخاً صارماً: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}؛ تجهلون عظمة الله وتوحيده، وتجهلون سفاهة عبادة الأحجار المصنوعة بالأيدي.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 465)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٥: يذكر الحافظ ابن كثير الحديث الصحيح المطابق لهذه الآية؛ وهو حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقال بعض الصحابة حديثي العهد بالإسلام: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر! إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}، لتركبن سَنَن من كان قبلكم» (أخرجه أحمد والترمذي وصححه).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 273)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٧٣: يوضح القرطبي أن هذا السؤال صدر من جهلتهم وعامتهم الذين رسخت في نفوسهم عادات القبط الوثنية في مصر؛ ولم يصدر من خيارهم ولا علمائهم؛ ولذلك رد موسى بالتعميم على جنس جهلهم: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{جَاوَزْنَا}: جاوز يجاوز مجاوزة وجوازاً، والمجاوزة قطع المكان وتعديه والمضي عنه.
{يَعْكُفُونَ}: عكف يعكُف ويعكِف عكوفاً، والعكوف لزوم الشيء والإقبال عليه بحبس النفس عنده على جهة التعظيم.
{تَجْهَلُونَ}: الجهل ضد العلم، وهو إما عدم المعرفة بالحقيقة أو التصرف بخلاف مقتضى العقل والشرع.
الإعراب والتركيب:
{وَجَاوَزْنَا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل.
وقرأ الباقون {يَعْكُفُونَ} بضم الكاف، وهما لغتان فصيحتان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفارقة الصادمة والسرعة الفائقة في الانتكاس: الفاء في {فَأَتَوْا} وطلبهم الشرك وقع مباشرة بعد معجزة فلق البحر ونجاتهم العظمى؛ مما يكشف عن هشاشة البناء الإيماني لدى عامة بني إسرائيل وسرعة تأثرهم بالمشاهد الحسية الوثنية.
التعبير بـ {يَعْكُفُونَ}: صور التفرغ الكامل والخشوع الموهوم الذي رآه بنو إسرائيل عند عبدة الأصنام، فظنوا بجهلهم أن هذه الطقوس مظهر من مظاهر التدين والتقرب إلى الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يطلب قوم موسى الشرك الصريح بعد أن رأوا بأعينهم انفلاق البحر وغرق فرعون؟
الدفع والمحاكمة العقلية: طول أمد الاستعباد والقهر في البيئة الوثنية المصرية شوه الفطرة وأورث عامة بني إسرائيل ميلاً مريضاً إلى التجسيم الحسي للغيب؛ فهم لم يطلبوا التخلي عن إله موسى بالكلية، بل طلبوا وثناً أو صنماً مجسماً محسوساً يعبدون الله من خلاله ويتبركون به كما كان يفعل عباد الأصنام حولهم؛ وهذا جهل فادح بحقيقة التوحيد وتنزيه الله عن الأشباه والأمثال؛ فلذلك قال لهم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}؛ فوصفهم بالجهل المركب الذي أعمى بصائرهم عن التوحيد الخالص.
التنكير في {قَوْمٌ} ووصفهم بـ {تَجْهَلُونَ}: يفيد أن الجهل صار صفة ملازمة لطبيعتهم الجماعية؛ فالجهل بالتوحيد والسنن هو الداء العضال الذي يفسد على الأمم أعظم نعم الله.
التشبيه بـ {كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}: يظهر آفة "التبعية الثقافية والتقليد الأعمى للغالبين أو المجاورين"، وهي آفة تفسد عقائد الأمم حين تنبهر بمظاهر طقوس المشركين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):