تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 134)جامع البيانالطبري١٣/١٣٤: ينقل الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن موسى عليه السلام لما سمع عذر أخيه هارون وتبين له صدقه وحرصه على دفع الفتنة وأنه لم يقصر بل استضعف وكاد يقتل، رقت نفسه وسكنت حدة غضبه وأناب إلى ربه، فدعا لنفسه ولأخيه: {رَبِّ اغْفِرْ لِي} ما صنعت بأخي من أخذ برأسه ولحيته وما كان من إلقاء الألواح لفرط الغضب، {وَلِأَخِي} إن كان قد فرط منه شيء في مداراة القوم ومكثه بينهم، {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} التي وسعت كل شيء، {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 480)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٨٠: يوضح ابن كثير أن موسى قدم نفسه في الاستغفار أدباً وتواضعاً واعترافاً بما بدر منه تجاه أخيه في حالة الغضب، ثم ثنى بأخيه حباً وإكراماً وشفقة عليه، وتوسل إلى الله بأشرف أسمائه وصفاته وهو أنه أرحم الراحمين.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 302)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٠٢: يبين القرطبي أن هذا الدعاء يدل على كمال المحبة والأخوة النبوية بين موسى وهارون؛ فلما انكشف الغمام زال العتاب وحل محله التضرع والدعاء المشترك بالمغفرة والرحمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{اغْفِرْ}: المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه ووقاية شره وعقوبته.
{أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}: أرحم أفعل تفضيل مضاف إلى الراحمين، وهو دال على اتصافه سبحانه بأعلى مراتب الرحمة وأوسعها التي لا تدانيها رحمة المخلوقين.
{وَأَدْخِلْنَا}: معطوف على اغفر مبني على السكون، والفاعل مستتر و(نا) مفعول به.
{فِي رَحْمَتِكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أدخلنا)، والكاف مضاف إليه.
{وَأَنتَ}: الواو حالية، (أنت) ضمير منفصل مبتدأ.
{أَرْحَمُ}: خبر المبتدأ مرفوع وهو مضاف.
{الرَّاحِمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة حالية مؤكدة للطلب.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في كلماتها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال البياني العظيم: من فورة الغضب والعنفوان الميداني في الآية السابقة إلى السكينة التامة والتضرع الخاشع في هذه الآية؛ مما يبرز خضوع موسى الفوري لداعي الحق واعترافه بضعف الطبيعة البشرية أمام جلال الربوبية.
ترتيب الدعاء: بدأ بطلب المغفرة (التخلية من أثر الذنب والخطأ)، ثم ثنى بطلب الرحمة (التحلية بالفضل والنعيم)، ثم ختم بالتوسل بصفة الرحمة المطلقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا يستغفر موسى وهارون وهما نبيان معصومان من الكبائر والذنوب الموبقة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: استغفار الأنبياء مقام عبودية وتواضع وتذلل لله، وموسى عليه السلام استغفر لما فرط منه من إلقاء الألواح وشدة المعاملة لأخيه بدافع الغضب؛ وهارون استغفر مما قد يظن من تقصير في منع القوم؛ وحسنات الأبرار سيئات المقربين؛ فالأنبياء يستغفرون ركوعاً بين يدي عظمة الله وخوفاً من هيبته، وهذا الاستغفار يزيدهم رفعة وشرفاً وعصمة ولا ينقص من منزلتهم مثقال حبة خردل.
البدء بالنفس {اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي}: أدب نبوي راسخ في تقديم النفس في الدعاء للاعتراف بالفقر والتقصير قبل طلب الرحمة للغير.
التعبير بـ {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ}: استعارة تمثيلية بديعة؛ صور الرحمة الإلهية كأنها حصن منيع أو روضة غناء جامعة يدخل العبد فيها فتحيط به من جميع جهاته فتحفظه من الفتن وتسعده برضوان الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صفاء القلوب وسرعة الرجوع إلى الحق: إذا تبيّن للمؤمن خطؤه في حق أخيه سارع إلى التراجع وطلب المغفرة لهما معاً، دون كبر أو إصرار على العتاب.
التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى: ختام الدعاء بـ {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} من أعظم موجبات الإجابة وكشف الكربات.