تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 64)جامع البيانالطبري١٣/٦٤: يروي ابن جرير بأسانيده المتعددة عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة ومحمد بن كعب تفصيل هذه الآيات التسع:
{الطُّوفَانَ}: مطر هائل متتابع وسيول جارفة غمرت بيوتهم وأراضيهم حتى كادوا يهلكون، ولم تدخل قطرة ماء واحدة في بيوت بني إسرائيل الملاصقة لهم؛ فاستغاثوا بموسى.
{الْجَرَادَ}: أرسل الله عليهم الجراد فأكل ثمارهم وزروعهم وأوراق شجرهم وحتى خشب أبوابهم وثيابهم؛ فلما بلغ منهم الجهد تضرعوا لموسى.
{الْقُمَّلَ}: يروي ابن عباس أنه السوس أو الدبى (صغار الجراد الذي لا أجنحة له) أو حشرة صغيرة متسلطة لحست ما بقي من الزروع ودخلت بين ثيابهم وشعورهم وجلودهم فكان أحدهم لا يستقر ولا ينام من فرط الحكة والألم.
{الضَّفَادِعَ}: ملأت بيوتهم وأوانيهم وطعامهم، حتى كان الرجل إذا فتح فاه ليتكلم قفزت فيه ضفدعة، وإذا هيأ طعامه ملأته الضفادع.
{الدَّمَ}: تحولت مياه النيل وآبارهم إلى دم عبيط لا يستطيعون شربه، وكان الإسرائيلي يغرف ماءً والقبطي يغرف من نفس الإناء دماً عبيطاً!
ومعنى {آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ}: آيات متميزات متتابعات بين كل آية وأخرى مدة ومهلة ليتوبوا؛ وقيل مفصلات بالبيان والوضوح لا تدع مجالاً للشك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 459)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٩: يذكر ابن كثير أن هذه الآيات كانت ضربات بيئية وحياتية مهلكة نزلت بالتدريج، وكانت كلما نزلت آية عاهدوا موسى على الإيمان وإرسال بني إسرائيل إذا كشفها الله عنهم، فلما كشفت نكثوا عهدهم واستكبروا، حتى حق عليهم العذاب الأكبر بالإغراق.
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 323)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٢٣: يوضح الشنقيطي أن قوله {مُّفَصَّلَاتٍ} يجمع معنيين: تفصيل الزمان بنزولها واحدة تلو الأخرى ليكون أبلغ في الابتلاء والإعذار، وتفصيل الدلالة بظهورها وبطلان الشبهات حولها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الطُّوفَانَ}: مأخوذ من الطوف وهو الدوران والفيضان، وهو كل حادث يغشى ويعم بكثرة كالماء الغامر أو الموت الجارف.
{الْقُمَّلَ}: بضم القاف وتشديد الميم المفتوحة، حشرة معروفة، وقيل هو صغار البراغيث أو السوس الذي يخرج في الحبوب.
{الضَّفَادِعَ}: جمع ضفدع، دويبة مائية معروفة.
{مُّفَصَّلَاتٍ}: اسم مفعول من فصّل تفصيلاً، أي مفرقات واحدة بعد واحدة، أو مبينات مظهرات للحق.
الإعراب والتركيب:
{فَأَرْسَلْنَا}: الفاء سببية عاطفة، فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب الترتيب في إرسال الآيات: الماء الزائد الجارف (الطوفان) أهلك البنية وروع القلوب، ثم الجراد أكل الأقوات، ثم القمل نال الأجساد والجلود والثياب، ثم الضفادع نغصت المعيشة والمطاعم، ثم الدم منعهم من شريان الحياة وهو ماء الشرب؛ فحاصرهم الله بجنوده من كل جانب.
النتيجة المحزنة: بعد كل هذه البراهين والآيات الحسية التي أذلت كبرياءهم، جاء الجواب الصادم: {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا سلط الله عليهم حشرات وحيوانات ضعيفة كالجراد والضفادع والقمل ولم يسلط عليهم صواعق أو زلازل مدمرة من أول وهلة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: قمة الإذلال الإلهي للجبابرة المستكبرين أن يقهرهم بأضعف جنوده وخلقه؛ ففرعون الذي ادعى الألوهية والربوبية عجز عن دفع قملة تؤرقه أو ضفدعة تقفز في إنائه وفمه! وهذا أدل على كمال القدرة الربانية وعلى مهانة الطغاة؛ ولتكون العقوبة درساً نفسياً يكسر خيلاءهم تدرجاً وإمهالاً قبل المحطة الأخيرة بالإغراق.
التفصيل بالعطف بالواو {وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ...}: لإبراز كل آية كأنها مشهد قائم بذاته يستوجب الوقوف والاعتبار.
إعراب {آيَاتٍ} حالاً ووصفها بـ {مُّفَصَّلَاتٍ}: دلالة على أنها كانت برهاناً ساطعاً لا يقبل الشك؛ فالتفريق الزمني بينها كان يتيح فرصة التفكير والمراجعة، ولكن الإجرام كان قد تغلغل في أعماق نفوسهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
جنود الله لا تحصى ولا تقتصر على السلاح البشري المعتاد؛ فالحشرات والماء والأوبئة جنود مسخرة بأمر الله تقلب موازين القوى في ساعات.
عاقبة الاستكبار والإجرام طمس البصائر؛ فحين يستحكم الإجرام في قلب العبد يرى آيات الله الصارخة ومعجزاته الباهرة ثم يصر على باطله مستكبراً حتى ينزل به الهلاك النهائي.