تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 198)جامع البيانالطبري١٣/١٩٨: يوضح ابن جرير عن قتادة ومجاهد وابن عباس أن العتو هو التكبر والتجبر وتجاوز الحد في التمرد على أمر الله؛ فلما بلغوا الغاية في الجحود ولم تنفع معهم المواعظ، مسخهم الله فجأة في ليلة واحدة: {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}؛ فأصبحوا وقد تحولت صورهم وأبدانهم حقيقة إلى قردة خاسئين منبوذين أذلاء، وصار القرد منهم يأتي إلى قريبه من الإنس فيشم ثيابه ويبكي والآخر يقول له: ألم ننهكم؟ فيومئ القرد برأسه: بلى؛ فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا جميعاً ولم يعقبوا نسلاً؛ فالممسوخ لا ينسل ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام بنص الحديث النبوي الصحيح.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 499)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٩: يذكر ابن كثير الحديث الصحيح في صحيح مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً»؛ فالقردة والخنازير الموجودة في العالم اليوم هي من الحيوانات الأصلية المخلوقة قبل ذلك وليست من نسل مسوخ بني إسرائيل.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 335)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٣٥: يبين القرطبي أن الخاسئ هو المطرود المبعد بذلة ومهانة؛ يقال: خسأت الكلب إذا زجرته وطردته صاغراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{عَتَوْا}: عتا يعتو عتواً وعِتِيّاً، وهو الاستكبار والتمرد ومجاوزة الحد في العصيان.
{قِرَدَةً}: جمع قرد، الحيوان المعروف.
{خَاسِئِينَ}: جمع خاسئ، من خَسَأَ يَخْسَأُ خَسْئاً وخُسُوءاً، أي صاغرين مبعدين أذلاء مطرودين من رحمة الله وكرامته.
الإعراب والتركيب:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، (لما) ظرفية شرطية.
{عَتَوْا}: فعل ماضٍ مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل، والجملة شرط لما.
{عَن مَّا}: عن حرف جر للمجاوزة، (ما) اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ (عتوا).
{نُهُوا}: فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الضم المقدر على الياء المحذوفة، والواو نائب فاعل.
{عَنْهُ}: متعلقان بـ (نهوا)، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{قُلْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل، والجملة جواب لما لا محل لها.
{لَهُمْ}: متعلقان بـ (قلنا).
{كُونُوا}: فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه.
{قِرَدَةً}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{خَاسِئِينَ}: نعت لـ (قردة) منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم (روعي فيه المعنى الأصلي للممسوخين من العقلاء)، والجملة مقول القول في محل نصب.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا تفسير لقوله في الآية السابقة: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}؛ فبين هنا كنه ذلك العذاب البئيس؛ وهو المسخ الجسدي المهين؛ فالجزاء من جنس العمل.
التعبير بـ {عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ}: يفيد أن ارتكابهم المعصية لم يكن عن جهل ولا عن غلبة شهوة عابرة، بل كان عن عناد واستكبار وتحدٍ صريح للناهين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: زعم مجاهد بن جبر في رواية رويت عنه أن المسخ كان مجازياً في القلوب والأخلاق (مثل كمثل الحمار يحمل أسفاراً) ولم يكن مسخاً حقيقياً للأبدان!
الدفع والمحاكمة العقلية والسلفية القاطعة:
رد جمهور أئمة السلف والمفسرين (ابن عباس، قتادة، الحسن، الطبري، ابن كثير، القرطبي) على هذا القول وأثبتوا بالإجماع أن المسخ كان حقيقياً حسياً للأبدان والصور؛ والقرآن صريح في قوله: {فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}، وقوله: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ}؛ والقدرة الإلهية التي خلقت الإنسان من تراب قادرة بيسر وسهولة على قلب صورته إلى قرد أو غيره؛ وحمل الكلام على المجاز بغير موجب شرعي ولا عقلي تعطيل لظاهر القرآن وإعجازه؛ وقد كان هذا المسخ آية حسية مشهودة رآها أهل زمانهم وتناقلتها الأجيال نكالاً وموعظة للمتقين.
أمر التكوين {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا}: أمر قدرة وتكوين لا أمر تكليف؛ فكلمة (كن) الإلهية أحدثت الانقلاب الفوري في الأجساد والأشكال والأصوات دون مهلة ولا علاج.
المناسبة البديعة في المسخ قردة: القرد حيوان يشبه الإنسان في الهيئة الظاهرة ولكنه مسلوب العقل والتمييز والكرامة؛ وهؤلاء المحتالون أظهروا صورة العمل المباح بالحيلة ولكنهم خالفوا جوهر الشريعة وباطنها؛ فجازاهم الله بقلب صورهم الخارجية إلى حيوانات تشبه الإنسان ظاهراً وتخالفه حقيقة!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال القدرة الإلهية وانتقام الجبار: إذا تجرأ العباد على حدود الله واستهزأوا بشريعته ألبسهم الله ثياب الخزي وحول مجدهم إلى مسخ وهوان.
الحذر من الركون إلى المكر السيئ والخداع؛ فالمكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، ومن حاول خداع ربه عاقبه الله بنقيض قصده.