تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 164)جامع البيانالطبري١٣/١٦٤: يوضح الطبري أن الله تبارك وتعالى أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يصدع برسالته العامة الكلية لكل البشرية، فيقول: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} أحمركم وأسودكم، عربكم وعجمكم، أهل الكتاب منكم والأميين؛ لست مبعوثاً إلى قوم مخصوصين كما كان موسى مبعوثاً لبني إسرائيل وحدهم؛ ثم قرن رسالته بصفات مرسله العظيم: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ}، ورتب على ذلك الأمر الجازم بالإيمان به وبنبيه الأمي الصادق، واتباع سنته لنيل الهداية.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 490)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٠: يذكر ابن كثير الحديث الصحيح في البخاري ومسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي... وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة»؛ فهذه الآية نص قطعي في عموم رسالته المحمدية وخاتميتها للخلائق أجمعين.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 316)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣١٦: يبين القرطبي أن وصف النبي بـ {الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} تزكية مطلقة له بأنه أول الممتثلين والمصدقين بما ينزل عليه من الوحي، مما يجعله قدوة معصومة يتبعها الناس بثقة ويقين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{جَمِيعًا}: حال تفيد الاستغراق والشمول لجميع أفراد الثقلين.
{وَكَلِمَاتِهِ}: جمع كلمة، والمراد كتبه المنزلة ووحيه الصادق وقضاؤه النافذ.
الإعراب والتركيب:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{يَا أَيُّهَا}: (يا) أداة نداء، (أيّ) منادى مبني على الضم في محل نصب، و(ها) للتنبيه.
{النَّاسُ}: بدل أو عطف بيان من (أي) مرفوع بالضمة لفظاً.
{إِنِّي}: حرف توكيد ونصب والياء اسمها.
{رَسُولُ}: خبر إن مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{إِلَيْكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (رسول).
{جَمِيعًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة تفيد عموم الخطاب.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل جر نعت للفظ الجلالة (أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو الذي).
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{مُلْكُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مجرور، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{لَا}: نافية للجنس تعمل عمل إن.
{إِلَٰهَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره بحق.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{هُوَ}: بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف (أو في محل رفع بدل من محل لا واسمها).
{يُحْيِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر.
{وَيُمِيتُ}: معطوف ماضٍ بفعله وفاعله المستتر، والجملة مستأنفة أو حالية.
{فَآمِنُوا}: الفاء فصيحة، فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{بِاللَّهِ}: متعلقان بـ (آمنوا).
{وَرَسُولِهِ}: معطوف مجرور والهاء مضاف إليه.
{النَّبِيِّ}: بدل أو نعت لرسوله مجرور بالكسرة.
{الْأُمِّيِّ}: نعت ثانٍ مجرور بالكسرة.
{الَّذِي}: نعت ثالث في محل جر.
{يُؤْمِنُ}: فعل مضارع وفاعله مستتر.
{بِاللَّهِ}: متعلقان بـ (يؤمن).
{وَكَلِمَاتِهِ}: معطوف مجرور والهاء مضاف إليه.
{وَاتَّبِعُوهُ}: فعل أمر وفاعل ومفعول به.
{لَعَلَّكُمْ}: حرف ترجٍّ ونصب والكاف اسمها.
{تَهْتَدُونَ}: فعل مضارع والواو فاعل، والجملة خبر لعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني: بعد أن بين صفاته في التوراة والإنجيل وخاطب بني إسرائيل في سياق قصة موسى، التفت الخطاب إلى عموم البشرية: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ}؛ ليعلن أن نبوته ليست حكراً على قوم ولا محدودة بزمان، بل هي رسالة الخلود لكل الثقلين.
الربط المنطقي بين ملك السموات والأرض والإحياء والإماتة وبين عموم الرسالة: فالذي يملك الكون كله وله حق الإحياء والإماتة هو وحده الذي له الحق المطلق في إرسال رسول عام يحكم خلقه بشرعه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: يزعم بعض المستشرقين أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بدأت محلية للعرب في مكة ثم تحولت إلى عالمية في المدينة!
الدفع والمحاكمة العقلية والتاريخية: سورة الأعراف سورة مكية بإجماع أهل التفسير نزلت قبل الهجرة بسنوات، وهذه الآية فيها نص صريح قطعي لا يقبل التأويل: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}؛ مما يدحض فرية التطور المزعوم ويثبت أن عالمية الرسالة المحمدية كانت أصلاً ثابتاً معلناً منذ أول أيام الدعوة في مكة المكرمة في مواجهة قريش والعالم بأسره.
تقديم الحال {جَمِيعًا}: لقطع أي احتمال للتخصيص القومي أو الجغرافي.
الالتفات من التكلم {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ} إلى الغيبة {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ}: أسلوب تجريد بديع؛ كأنه يجرد من نفسه شخصاً آخر يثني عليه بأشرف الألقاب ويلزم الناس باتباعه ليكون أبلغ في الدعوة وأوقع في النفوس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على كل إنسان بلغه خبره، ولا نجاة لأحد كفر برسالته كائناً من كان.
الهداية الحقيقية منوطة بالاتباع: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}؛ فلا هداية تامة في عقيدة أو شريعة أو خلق إلا باقتفاء أثر النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.