تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 90)جامع البيانالطبري١٣/٩٠: ينقل ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد ومسروق وقتادة أن الله تعالى لما أنجى موسى وبني إسرائيل من فرعون وأغرق عدوهم، وعد موسى أن ينزل عليه التوراة فيها الأحكام وتفصيل كل شيء؛ فواعده ثلاثين ليلة وهو شهر ذي القعدة، فصامها موسى وتعبد فيها لله؛ فلما تمت الثلاثون استاك موسى بلحاء شجرة ليكسر خلوف فمه، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك! فأمره الله بزيادة عشر ليالٍ من أول ذي الحجة فصامها حتى تم الميقات أربعين ليلة؛ واستخلف موسى عند ذهابه للمناجاة أخاه هارون عليهما السلام على بني إسرائيل، وأوصاه بالإصلاح ومجانبة سبل المفسدين.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 468)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٨: يوضح ابن كثير أن الميقات كان أربعين ليلة قضاها موسى في التعبد والصيام والمناجاة فوق طور سيناء تمهيداً لتلقي كلام الله والألواح؛ وأن وصيته لهارون كانت تأكيداً على واجب الرعاية والحذر؛ مع أن هارون نبي كريم مصلح بطبعه، ولكن التذكير من شأن الأنبياء والدعاة عند تسليم الأمانات والمهام الكبرى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 279)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٧٩: يبين القرطبي أن الحكمة في إتمام الثلاثين بعشر هي التدرج في إعداد النفس البشرية لمقام المناجاة والتلقي المباشر لكلام الله سبحانه؛ وفيه دليل على فضل الصيام والاعتكاف والانقطاع للعبادة عند عظيم الأمور.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَوَاعَدْنَا}: المواعدة مفاعلة من الوعد، وتكون بين اثنين، وتستعمل من الله لعبده لتأكيد إنجاز الوعد وتحققه كأنه عهد مؤكد بين طرفين.
{مِيقَاتُ}: مِفْعَال من الوقت، وهو الوقت المحدد المضروب للعمل أو اللقاء الذي لا يتقدم عنه ولا يتأخر.
{اخْلُفْنِي}: خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ خِلافةً، أي كن خليفتي ونائبي في إدارة أمور القوم ورعايتهم في غيبتي.
الإعراب والتركيب:
{وَوَاعَدْنَا}: الواو استئنافية، فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا)، و(نا) فاعل.
{مُوسَىٰ}: مفعول به أول منصوب بفتحة مقدرة للتعذر.
{ثَلَاثِينَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم (أو ظرف زمان).
{لَيْلَةً}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَأَتْمَمْنَاهَا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به.
{بِعَشْرٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أتممناها)، والتنوين للعوض عن المعدود المحذوف (بعشر ليالٍ).
{فَتَمَّ}: الفاء عاطفة سببية، فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{مِيقَاتُ}: فاعل مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{رَبِّهِ}: مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه.
{أَرْبَعِينَ}: حال منصوبة بالياء (أو ظرف زمان، أو مفعول مطلق لـ تم).
{لَيْلَةً}: تمييز منصوب بالفتحة.
{وَقَالَ مُوسَىٰ}: فعل ماضٍ وفاعل.
{لِأَخِيهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (قال)، وعلامة الجر الياء لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
{هَارُونَ}: بدل أو عطف بيان من أخيه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة وزيادة الألف والنون.
{اخْلُفْنِي}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة مقول القول في محل نصب.
{فِي قَوْمِي}: جار ومجرور متعلقان بـ (اخلفني)، والياء مضاف إليه.
{وَأَصْلِحْ}: معطوف على اخلفني مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{الْمُفْسِدِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ أبو عمرو ويعقوب {وَوَعَدْنَا} بغير ألف، وقرأ الباقون {وَوَاعَدْنَا} بالألف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني في قوله {ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}: لم يكتفِ بذكر الأربعين مجملة، بل فصلها ثلاثين ثم عشراً ثم نص على مجموعها أربعين؛ لبيان أن الزيادة كانت تشريفاً وإعداداً متدرجاً لموسى، ولنفي أي توهم بأن العشر كانت متداخلة مع الثلاثين بل كانت مضافة إليها مستقلة.
ذكر الليالي دون الأيام: لأن العبادة والاعتكاف والمناجاة أصلها الخلوة في الليل حيث تسكن الأصوات وتصفو القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يوصي موسى أخاه هارون وهو نبي معصوم بقوله: {وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، وهل كان هارون مظنة للإفساد أو اتباع المفسدين؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الخطاب بين الأنبياء يجري على سنن التأكيد والتحذير من كيد العدو، لا على توهم الوقوع في المعصية؛ فهارون معصوم من الإفساد قطعاً، ولكن التحذير من اتباع سبيل المفسدين هو تحذير من مطاوعتهم أو المداراة معهم على حساب الحزم الشرعي، وتنبيه له على طبيعة بني إسرائيل المتقلبة الميالة إلى الشغب؛ والنهي عن الشيء قد يوجه لمن لا يفعله لبيان خطورته وعظم شأنه، كقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1].
إضافة الميقات إلى الرب {مِيقَاتُ رَبِّهِ}: تشريف عظيم لموسى عليه السلام؛ فالميقات ضُرب من الرب الجليل للقاء كليمه ومناجاته، وفيه إشعار بجلال الموقف وقدسيته.
الجمع بين الأمر بالإصلاح والنهي عن سبيل المفسدين {وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}: أسلوب احتراس وتوكيد؛ فالإصلاح الإيجابي لا يكتمل إلا بهدم منافذ الفساد وسد الذرائع أمام دعاة الفتنة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الاستخلاف والإنابة: لا ينبغي للقائد أو المسؤول أن يغادر موقعه دون تعيين نائب كفء يدير شؤون الجماعة ويوحد كلمتها ويحفظ أمنها.
التهيئة الروحية للمهمات العظيمة: العبادة والذكر والصيام والخلوة مع الله زاد القادة والمصلحين قبل خوض غمار التشريع والتغيير المجتمعي.