أخرج الإمام البخاري في ختام "صحيحه" (كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط}، رقم 7563)مصدر غير محددحديث رقم ٧٥٦٣ ومسلم (رقم 2694)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٩٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
أخرج الإمام أحمد في "مسنده" (رقم 6524)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٢٤ والترمذي وحسنه وصححه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في حديث البطاقة المشهور: «يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر... فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله... فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء».
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 378)مصدر غير محدد٣/٣٧٨: "{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} أي: وزن الأعمال والكتب والعباد يوم القيامة بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم... {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي: رجحت حسناته على سيئاته، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مَوَازِينُهُ): جمع مِيزَان، وهو الآلة التي يُوزن بها؛ أو جمع مَوْزُون وهو العمل الصالح الموزون.
(الْمُفْلِحُونَ): الفائزون بالظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب والخلود في النعيم.
{يَوْمَئِذٍ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ (الحق) أو بالوزن، و(إذ) اسم مبني على السكون في محل جر بالإضافة والتنوين عوض عن جملة محذوفة (يوم إذ نسألهم ونقص عليهم).
{الْحَقُّ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة (أي الوزن واقع بالحق والعدل المحض)؛ أو نعت للمبتدأ والخبر محذوف.
{فَمَن}: الفاء فصيحة، (مَن) اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ.
{ثَقُلَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث.
{فَأُولَئِكَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، أولاء اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
{هُمُ}: ضمير فصل مبني لا محل له، أو مبتدأ ثان.
{الْمُفْلِحُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر (من).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وانتقال المحكمة إلى مرحلة الوزن والتقدير: بعد السؤال في الآية (6)، والقصص والإحصاء في الآية (7)، جاء الوزن في الآية (8) ليكون هو "الفيصل المادي والعدلي النهائي" لتوزيع الدرجات والدركات؛ فتوضع الأعمال في ميزان حقيقي لا ظلم فيه، فمن ثقلت موازينه نال الفلاح الأبدي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات حقيقة الميزان عند أهل السنة والجماعة:
الميزان يوم القيامة ميزان حقيقي حسي له كفتان ولسان، توزن به الأعمال وصحائف الأعمال والعباد أنفسهم كما تواترت به الأحاديث الصحيحة؛ خلافاً للمعتزلة الذين أنكروا حقيقة الميزان وزعموا أنه مجرد مجاز عن العدل؛ فرد عليهم أهل السنة بأن الله قادر على تجسيم الأعراض وجعل الحسنات والسيئات أجراماً ثقيلة أو خفيفة توضع في الكفتين لإظهار عدله على رؤوس الأشهاد.
قصر الحق على الوزن {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ}: بتعريف الطرفين؛ للدلالة على أن العدالة هناك مطلقة نقية مبرأة من أي شبهة أو ميل.
الإشارة بـ {فَأُولَئِكَ} واستعمال ضمير الفصل {هُمُ}: لتعظيم شأن الفائزين وقصر الفلاح الحقيقي الكامل عليهم دون سواهم.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
قيمة الإنسان في ميزان الله ليست بجاهه ولا بماله ولا بجثمانه؛ ففي الحديث الصحيح عن ابن مسعود حين ضحك الصحابة من دقة ساقيه قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أُحد».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تثقيل الموازين بالصالحات والأخلاق:
الحرص على الأعمال الثقيلة في الميزان كقول: (لا إله إلا الله)، و(سبحان الله والحمد لله)، وحسن الخلق كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن».
الخشية من خفة الميزان:
استحضار مشهد تطاير الكفات وتفقد الموازين يوم ترجح السيئات أو الحسنات بمثقال ذرة.