تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 201)جامع البيانالطبري١٣/٢٠١: يوضح الطبري أن معنى {تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أي آذن وأعلم وأقسم قسماً مؤكداً لا خلف فيه؛ لَيَبْعَثَنَّ على هؤلاء اليهود المعاندين {إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} بالذل والجزية والمهانة والتشريد؛ فسلط الله عليهم بختنصر البابلي، ثم ملوك الفرس والروم، ثم سلط عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته المرحومة فضربت عليهم الجزية والذلة والمسكنة، إلى أن يخرج الدجال فيقاتلهم المسلمون حتى ينطق الشجر والحجر: يا مسلم هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله؛ ثم ختم بالصفتين الجليلتين: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ} لأهل الكفر والعناد، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب وأناب.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 500)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٠٠: يذكر ابن كثير أن هذا إخبار بحكم إلهي تاريخي عام مستمر؛ فاليهود لما كذبوا الأنبياء وقتلوهم وحرفوا الكتاب استحقوا أن تسلط عليهم الأمم بالذل والهوان؛ فلا تجد لهم شوكة إلا بحبل من الله وحبل من الناس؛ فإذا انقطع الحبل عادوا إلى ذلتهم التاريخية المقدرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 337)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٣٧: يبين القرطبي أن {تَأَذَّنَ} تفعل من الأذان وهو الإعلام القاطع بالشيء المكرر تأكيده؛ ومنه قوله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: 44].
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَأَذَّنَ}: أعلن وأذن وحكم قضاءً مبرماً مؤكداً بالقسم.
{لَيَبْعَثَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم، والبعث هنا التسليط والتمكين للأعداء منهم.
{وَإِذْ}: الواو استئنافية، (إذ) ظرف لما مضى متعلق بـ (اذكر) محذوفاً.
{تَأَذَّنَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{رَبُّكَ}: فاعل مرفوع وهو مضاف والكاف مضاف إليه.
{لَيَبْعَثَنَّ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر تضمنه فعل تأذن، (يبعثن) فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره هو.
{عَلَيْهِمْ}: متعلقان بـ (يبعثن).
{إِلَىٰ يَوْمِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يبعثن)، و(يوم) مضاف.
{الْقِيَامَةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (يبعثن).
{يَسُومُهُمْ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به أول.
{سُوءَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{الْعَذَابِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَبَّكَ}: اسم إن منصوب والكاف مضاف إليه.
{لَسَرِيعُ}: اللام المزحلقة، (سريع) خبر إن مرفوع وهو مضاف.
{الْعِقَابِ}: مضاف إليه مجرور.
{وَإِنَّهُ}: الواو عاطفة، إن واسمها.
{لَغَفُورٌ}: اللام المزحلقة، خبر إن أول مرفوع.
{رَّحِيمٌ}: خبر إن ثانٍ مرفوع بالضمة.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة دون خلاف في كلماتها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني الاستشرافي: بعد بيان العقوبة الخاصة بأهل القرية بالمسخ، عمم الحكم على عموم مجرمي بني إسرائيل بحكم تاريخي كوني ممتد {إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}؛ ليعلم الناس أن انحرافهم يجر عليهم الويلات المتتابعة عبر القرون.
المزاوجة بين صفتي سرعة العقاب وسعة المغفرة: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ ليرسخ التوازن الإيماني بين الخوف والرجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقال إنه كتب عليهم سوء العذاب والذل إلى يوم القيامة، ونحن نرى لهم اليوم دولة وجيشاً وقوة مادية؟
الدفع والمحاكمة العقلية والسننية الراسخة:
القرآن الكريم لم ينفِ أن يكون لهم ظهور مؤقت في بعض الفترات بحبال يمدهم بها غيرهم؛ بل صرح بذلك في سورة آل عمران: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ} [آل عمران: 112]، وفي سورة الإسراء: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} [الإسراء: 7]؛ فاجتماعهم اليوم هو استدراج إلهي وتجمع لتحقيق الوعد الأخروي الأخير بهلاكهم التام ونصرة المسلمين عليهم؛ وقوتهم الحالية ليست نابعة من ذاتهم بل هي قائمة على الدعم الخارجي المستمر (حبل من الناس)، وهم يعيشون في قلق دائم وخوف وجودي مستحكم، مما يؤكد صدق الوعد القرآني وإعجازه التاريخي المستمر.
صيغة التوكيد المغلظة في {تَأَذَّنَ... لَيَبْعَثَنَّ}: جمعت بين مادة الإعلام المبرم ولام القسم ونون التوكيد الثقيلة؛ مما يدل على حتمية هذا القضاء الكوني ونفاذه الذي لا يبدل.
التنكير في {مَن يَسُومُهُمْ}: للإبهام والشمول؛ أي مسلطين شتى من أمم الأرض، لا ينحصرون في أمة واحدة ولا في جيل واحد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العدالة الإلهية في مسار التاريخ: كل أمة تتخلى عن رسالتها وتستكبر على أمر ربها وتقتل دعاتها فإن الله يسلبها مجدها ويسلط عليها من يذلها ويسومها سوء العذاب.
رحمة الله ومغفرته مفتوحة لمن تاب: حتى مع عظم القضاء بالعقوبة، فإن باب المغفرة والرحمة يظل مشرقاً لمن أسلم وآمن واتبع الحق.