تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 260)جامع البيانالطبري١٣/٢٦٠: يفسر الطبري قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي لو شئنا لرفعنا منزلته في الدنيا والآخرة بالعمل بآياتنا والاستمساك بها وتوفيقنا إياه، ولكن مشيئتنا وحكمتنا قضت بألا نرفع إلا من أقبل علينا بقلب سليم؛ {وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} أي سكن إلى شهوات الدنيا وسفل إلى حطامها الفاني ورضي بالدنيا واطمأن بها، {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} في معصية الله وطاعة قومه؛ فضرب الله له مثلاً هو أقبح الأمثال وأشنعها: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}؛ فالكلب يلهث دائماً في جميع أحواله من فرط اللهث؛ إن طردته وزجرته لهث وأخرج لسانه، وإن تركته وادعاً لهث أيضاً؛ فكذلك هذا الذي انسلخ من العلم، إن وعظته ونصحته لم يرجع عن غيه، وإن تركته تمادى في باطله، قد استقر الشره الدنيوي في سويداء قلبه فلا ينفك عنه أبداً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 512)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥١٢: يوضح ابن كثير أن تشبيه العالم المنسلخ بالكلب اللاهث على الدوام تشبيه معجز بالانقطاع التام عن الطمأنينة؛ فقلبه ميت مشتعل باللهث والحرص على الدنيا لا يشبعه مال ولا يرويه جاه؛ كحال الكلب الذي لا يكف عن اللهث أبداً لعلة باطنة في جهازه التنفسي؛ وهو مثل لكل من كذب بآيات الله وآثر الهوى على الهدى.
تفسير ابن القيم (إعلام الموقعين، ج 1، ص 142)إعلام الموقعين عن رب العالمينابن القيم١/١٤٢: يحلل الإمام ابن القيم هذا المثل تحليلاً بديعاً فيقول: هذا أبلغ مثل ضربه الله لمن آتاه علماً فآثر الدنيا؛ فالكلب من أخس الحيوانات، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث على كل حال؛ فشبه انقطاع قلبه إلى الدنيا وخسته ولهثه وراء الشهوات بلهث هذا الكلب الذي لا ينقطع حرصه لا بطرد ولا بترك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَخْلَدَ}: أخلد إلى الشيء ركن إليه ومال بكليته ولزمه لزوماً تاماً لا يفارقه، مأخوذ من الخلود وهو البقاء الدائم؛ وأخلد إلى الأرض سفل وهبط إلى طينتها وشهواتها.
{يَلْهَثْ}: لهث يلهث لهثاً، وهو إخراج اللسان والتنفس السريع المتتابع من شدة العطش أو التعب أو الحرارة أو خلقة لازمة.
{تَحْمِلْ عَلَيْهِ}: الحمل عليه هنا طرده وزجره وصياحك به لإبعاده.
الإعراب والتركيب:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، (لو) حرف امتناع لامتناع متضمن معنى الشرط.
{شِئْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل.
{لَرَفَعْنَاهُ}: اللام واقعة في جواب لو، فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به، والجملة جواب لو لا محل لها.
{بِهَا}: متعلقان بـ (رفعناه).
{وَلَٰكِنَّهُ}: الواو عاطفة للاستدراك، (لكنّ) حرف استدراك ونصب والهاء اسمها.
{أَخْلَدَ}: فعل ماضٍ والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر لكن.
قرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر بإدغام الثاء في الذال وصلاً: {يَلْهَث ذَّٰلِكَ} في وجه لبعضهم، وقرأ قالون وقنبل وابن كثير بالإظهار: {يَلْهَثْ ذَّٰلِكَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
{أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ}: سقوط وانحدار نحو الطين والشهوات السافلة.
هذا التقابل يبرز حرية الإرادة الإنسانية؛ فالوحي يرفع العبد، ولكن شهوة النفس تدنيه وتهبط به إلى أسفل درك.
التشبيه بالكلب اللاهث في حالتي الطرد والترك: يمثل حالة الهستيريا النفسية والحرص المرضي الدائم الذي لا يهدأ لمن فقد نور الإيمان؛ فهو يلهث وراء الدنيا سواء وعظته أم تركته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يشبه الله إنساناً عالماً بأقبح الحيوانات وأخسها وهو الكلب، أليس في ذلك قسوة في الخطاب؟
الدفع والمحاكمة البلاغية والتربوية:
الأمثال القرآنية تضرب لكشف الحقائق المجردة وصدم النفوس الغافلة لردعها عن الردى؛ والمشبه به (الكلب اللاهث) لم يُذكر هنا للسب المجرد، بل كصورة بيانية مطابقة تماماً للحالة النفسية للمنسلخ من آيات الله؛ فالذي ميزه الله بالعقل والوحي ثم استرخص ذلك وباع دينه بحطام فانٍ هبط بنفسه باختياره إلى رتبة أدنى من البهائم؛ فكان تشبيهه بأخس الحيوانات في أردأ حالاتها هو عين العدل والحكمة والصدق في التوصيف ليكون زاجراً لكل من تسول له نفسه استبدال الهوى بالهدى.
التعبير بـ {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ}: استعارة تمثيلية بارعة تدل على اللصوق الشديد بالتراب؛ كأن الأرض امتصته وجذبته إلى أسفل فلم يعد يملك قدرة على التحليق في آفاق الروح.
عطف {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}: بيان للسبب المحرك لهذا السقوط؛ فالهوى هو الإله الباطل الذي يعمي ويصم ويقود صاحبه إلى المهالك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العلم وحده لا يكفي للنجاة: الرفعة الحقيقية عند الله ليست بكثرة الحفظ والمعلومات، بل بالعمل والتجرد والتواضع لله؛ فمن لم يرفعه علمه عن شهوات الطين قاده إلى دركات الكلاب.
خطورة داء اللهث الدنيوي: من تعلق قلبه بالدنيا أصيب بلهث لا ينقطع؛ كلما نال منها شيئاً ازداد عطشاً وشرهاتً إليها، ولن يسكن لهثه إلا تراب القبر.