تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 30)جامع البيانالطبري١٣/٣٠: ينقل ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد والسدي أن السحرة لما اجتمعوا وتصافوا بين يدي فرعون والناس في يوم الزينة، خاطبوا موسى عليه السلام مخيرين له في الابتداء بالإلقاء تأدباً في ظاهر الأمر أو ثقةً واعتداداً بما معهم من فنون السحر وحيله، وأرادوا إظهار الجلد والقوة وأنهم لا يبالون بما معه؛ فقالوا: إما أن تلقي عصاك أولاً وإما أن نكون نحن البادئين بالإلقاء.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 446)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٤٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذا التخيير من السحرة لموسى عليه السلام كان مراعاةً لأدب المناظرة والمغالبة؛ حيث خيروا خصمهم ليظهروا للناس ثقتهم التامة بصنعتهم وأنهم لا يتهيبون لقاءه، وفي نفس الوقت مكنوا موسى من اختيار الموقع الأنسب لبدء التحدي.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 249)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٤٩: يذكر القرطبي استنباط بعض أهل العلم أن تأدب السحرة مع موسى عليه السلام وتخييرهم له كان من أسباب توفيق الله لهم وتدارك رحمته إياهم حتى انتهى بهم الأمر إلى السجود والإيمان؛ فالأدب مع أهل الفضل والدعاة باب للخير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تُلْقِيَ}: ألقى يُلقي إلقاءً، والهمزة للتعدية من لقي، وأصل الإلقاء طرح الشيء وإبعاده عن اليد نحو الأرض أو موضع اللقاء.
{الْمُلْقِينَ}: اسم فاعل من ألقى، جُمع جمع مذكر سالماً، وجاء معرفاً بأل الدالة على التعيين، أي البادئين بالصنعة والطرح.
الإعراب والتركيب:
{قَالُوا}: فعل ماضٍ مبني على الضم، والواو ضمير متصل فاعل.
{يَا مُوسَىٰ}: (يا) أداة نداء، (موسى) منادى مفرد علم مبني على الضم المقدر منع من ظهوره التعذر.
{إِمَّا}: حرف تخيير مبني على السكون.
{أَن تُلْقِيَ}: (أن) حرف مصدري ونصب، (تلقي) فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ خبره محذوف تقديره: إما إلقاؤك مقدمٌ، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: اختر إما أن تلقي.
{وَإِمَّا}: الواو عاطفة، (إما) الثانية تفيد التخيير والمقابلة.
{أَن نَّكُونَ}: مصدر مؤول معطوف على الأول، (نكون) فعل مضارع ناقص منصوب بالفتحة، واسمه ضمير مستتر تقديره نحن.
{نَحْنُ}: ضمير فصل وتوكيد لا محل له من الإعراب، أو توكيد لاسم نكون المستتر.
{الْمُلْقِينَ}: خبر نكون منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور بإثبات الياء مفتوحة {تُلْقِيَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت الآية بعد استجماع السحرة ووعد فرعون لهم بالأجر والقرب؛ لتبدأ وقائع المواجهة العظمى في يوم الزينة وضحى ذلك اليوم المشهود؛ فكان أول خطاب وجهه السحرة لموسى هو التخيير في التقدم للإلقاء.
التناسب السياقي: بعد حشر الجماهير وتهيؤ النفوس لمشهد الفصل بين الحق والباطل، صُوِّر المشهد بحوار حيّ مباشر يبين تماسك السحرة في أول وهلة واعتدادهم بسحرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُخيِّر السحرة موسى وهم أعداء جاءوا لإبطال دعوته، وهل كان ذلك خدعة ومكيدة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: التخيير في المناظرات والمبارزات تقليد أصيل عند أهل الصنائع الواثقين بأنفسهم؛ فالسحرة كانوا على يقين مطلق بأن سحرهم الذي تعلموه سيبهر العيون ولن يقوى عليه أحد؛ فمن هنا كان تخييرهم لموسى نابعاً من زهو الغلبة وشعور التفوق المهني في أعينهم، وهو في المقابل من تمام الحجة الإلهية؛ لأن موسى لم يُفاجئهم ولم يبادرهم بقهر دون تمكينهم من إظهار أقصى ما لديهم، لتكون الهزيمة ساقطة على صرح ثقتهم المطلقة.
أسلوب التخيير بـ «إمَّا... وإمَّا»: يبرز التكافؤ الشكلي الذي تصوره السحرة للموقف، وحرصهم على إظهار روح الفروسية الميدانية في حلبة النزال.
التأكيد في جملة {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ}: إيراد ضمير الفصل {نَحْنُ} وتعريف الخبر بـ {الْمُلْقِينَ} يفيد الحصر والاهتمام، أي نكون نحن ذوي السبق والبراعة في الإلقاء الذي لا يجارى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الداعية إلى الله لا يستفزه غرور المبطلين ولا ثقتهم الموهومة بأسلحتهم؛ لأن من يستند إلى الواحد القهار يعلم أن كل ما في أيدي الخلق إنما هو حبال وأوهام سرعان ما تتلاشى أمام الحق.
من خلق المناظرة الحقة إفساح المجال للمخالف لإبداء حجته كاملة دون مقاطعة أو تعسف، ليظهر عوار الباطل بذاته.