تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 104)جامع البيانالطبري١٣/١٠٤: ينقل الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن الله تبارك وتعالى جبر خاطر كليمه موسى بعد أن منعه من الرؤية في الدنيا وصعق لدك الجبل؛ فخاطبه خطاب تكريم ومحبة قائلاً: {يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي}؛ أي اخترتك واجتبيتك وفضلتك على أهل زمانك بأن أرسلتك بآياتي وكلمتك تكليماً بغير واسطة؛ {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ} من النبوة والكتاب والشرف والمناجاة {وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} لله على هذه النعم العظام التي لم يؤتها أحد غيرك في دهرك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 472)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٧٢: يوضح ابن كثير أن هذا كان تطييباً لقلب موسى بعدما صرفه عن سؤال الرؤية؛ فذكره الله بأنه نال أعلى مراتب الاصطفاء البشري بسماع كلام الرب وتلقي وحيه، وأمره بالاكتفاء بما ناله من الخير والكرامة وشكر المنعم على هذا الفضل العظيم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 285)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٨٥: يبين القرطبي أن تخصيص الكلام بالذكر مع اندراجه تحت الرسالة لبيان عظيم شرفه ومزيته الخاصة؛ فموسى كليم الله اختص بهذه الرتبة العالية بين الأنبياء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{اصْطَفَيْتُكَ}: الصَّفْو نقيض الكدر، واصطفى افتعل من الصفوة، وهو اختيار أصفى الشيء وأفضله وخياره وتجنيبه الشوائب.
{بِكَلَامِي}: الكلام في اللغة اللفظ المفيد لمعنى، والمراد تكليم الله له حقيقة بسماع صوته المقدس.
الإعراب والتركيب:
{قَالَ}: فعل ماضٍ وفاعله لفظ الجلالة مستتر.
{يَا مُوسَىٰ}: نداء ومنادى.
{إِنِّي}: حرف توكيد ونصب والياء اسمها.
{اصْطَفَيْتُكَ}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بالتاء، والتاء فاعل، والكاف مفعول به، والجملة في محل رفع خبر إن، وجملة إن مقول القول.
{عَلَى النَّاسِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (اصطفيتك).
{بِرِسَالَاتِي}: جار ومجرور متعلقان بـ (اصطفيتك)، والياء مضاف إليه.
{فَخُذْ}: الفاء فصيحة أو سببية، فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (خذ).
{آتَيْتُكَ}: فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَكُن}: الواو عاطفة، فعل أمر ناقص مبني على السكون، واسمه ضمير مستتر تقديره أنت.
{مِّنَ الشَّاكِرِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كن، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر {بِرِسَالَاتِي} بالجمع.
وقرأ ابن عامر ويعقوب {بِرِسَالَتِي} بالإفراد، والمراد الجنس الذي يستغرق جميع الرسالات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التكريم الإلهي جاء بلسماً شافياً لنفس موسى بعد رهبة الصعق وتفتت الجبل؛ ليعلم أن منع الرؤية في الدنيا لم يكن إعراضاً ولا نقصاً في قدره عند ربه، بل كان لحكمة فطرية بشرية تقتضي ألا يرى الذات أحد في الحياة الفانية.
عطف {وَبِكَلَامِي} على {بِرِسَالَاتِي}: عطف خاص على عام للتنويه بشأن التكليم الذي امتاز به موسى عليه السلام ولقب به (كليم الله).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل قوله {اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ} يقتضي تفضيل موسى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر أولي العزم؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الاصطفاء هنا مقيد بأهل زمانه من الناس؛ كما قال في مريم: {وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] أي على نساء عالم زمانها؛ ومحمد صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم أجمعين وله الشفاعة العظمى والمقام المحمود ورأى من آيات ربه الكبرى ليلة المعراج وفضل على الأنبياء بجوامع الكلم وخاتمية الرسالة؛ وكل نبي له خصوصية شرفه الله بها، وتكليم موسى في الأرض يقابله مناجاة محمد صلى الله عليه وسلم في سدرة المنتهى.