أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 299)جامع البيانالطبري١٢/٢٩٩ بسنده عن ابن عباس والحسن وقتادة في قوله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}: "أي طاشت موازينه ورجحت سيئاته على حسناته، أو كان كافراً لا حسنة له تثقل ميزانه، {فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم} في جهنم خالدين، لا حظ لهم في رحمة الله، {بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} أي: بسبب جحودهم لآيات الله وتكذيبهم لرسله وظلمهم لأنفسهم بالشرك".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 378)مصدر غير محدد٣/٣٧٨: "هذا قسيم المفلحين؛ وهم الخاسرون الذين خفت موازينهم، وخسارة النفس هي أعظم الخسران الذي لا ربح بعده؛ حيث حُرموا نعيم الأبد وسيقوا إلى عذاب جهنم المخلد، وعلة ذلك: ظلمهم لآيات الله بتكذيبها والإعراض عنها والعمل بخلافها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية والتقابل الجزائي الحاسم: لما بين مصير أهل الفلاح بثقل الموازين في الآية السابقة، ذكر هنا المقابل العادل؛ وهم من خفت موازينهم، لتكتمل صورة القسمة الثنائية الحتمية يوم القيامة: إما ثقل وفلاح وجنة، وإما خفة وخسارة ونار؛ ولا منزلة بين المنزلتين في المآل النهائي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق خسارة النفس وبشاعتها:
تبين الآية حقيقة الخسران المطلق؛ فالخسارة المالية أو الدنيوية تُعوّض، أما خسارة النفس والخلود في جهنم وحرمان الجنة فلا تعويض لها أبداً.
تعليل الخسران بالظلم لآيات الله:
قوله {بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}: تنبيه على أن العدل الإلهي مبني على استحقاق العبد؛ فالظلم لآيات الله بالتحريف أو الإعراض أو التكذيب هو الذي أفرغ كفة الحسنات وأطاش الميزان.
الطباق المقابل: بين (ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ / خَفَّتْ مَوَازِينُهُ)، وبين (الْمُفْلِحُونَ / خَسِرُوا أَنفُسَهُم).
تقديم الجار والمجرور في {بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}: للدلالة على فظاعة الجرم؛ فظلمهم لم يكن مجرد عدوان على بشر، بل كان تعدياً واعتداءً على آيات الله وكتابه.
اللطائف الإشارية والتدبرية:
السيئات تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؛ فالمفلس من جاء بحسنات كالجبال لكنه ظلم آيات الله وظلم العباد فطاشت موازينه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف والوجل من هباء العمل:
مراجعة المسلم لصحائفه وحسناته؛ لئلا يخالطها الرياء أو المظالم التي تخفف الميزان يوم القيامة.
تعظيم آيات الله:
التزام الصدق والعدل في فهم آيات الله والعمل بها، والابتعاد عن التأويلات الباطلة التي تحرّف الكلم عن مواضعه.