تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 212)جامع البيانالطبري١٣/٢١٢: يوضح الطبري أن الله تعالى بعد أن ذم علماء السوء الذين أضاعوا الكتاب واشتروا به ثمناً قليلاً، مدح الطائفة المؤمنة الصادقة المعتصمة بحبل الله: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ} أي يعتصمون به ويعملون بما فيه من الأوامر والنواهي ويحافظون على حدوده ولا يبدلونه، وأفردوا أعظم شعائر الدين العملية بالرعاية: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} بخشوعها وشروطها وأركانها؛ وبشرهم بالجزاء الأوفى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} لأعمالهم وعقائدهم؛ وسماهم مصلحين لأنهم أصلحوا أنفسهم وسعوا في إصلاح غيرهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 503)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٠٣: يبين ابن كثير أن التمسيك بالكتاب هو العمل الدائم به والدعوة إليه؛ وأن الله جعل أجرهم مضموناً لا يضيع منه مثقال ذرة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 305)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٠٥: يقرر السعدي أن التمسيك بالكتاب يعم العلم والعمل والاعتقاد؛ وإقامة الصلاة عماد الدين، وتسميتهم {الْمُصْلِحِينَ} دليل على أن التمسك بالوحي هو أصل كل صلاح في الأرض، وضده هو الإفساد بعينه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُمَسِّكُونَ}: التضعيف في مسّك يفيد المبالغة والشدة في الاعتصام والحرص والتثبت بالشيء.
{الْمُصْلِحِينَ}: جمع مصلح، وهو الفاعل للصلاح في نفسه الداعي إليه في مجتمعه المقاوم للفساد.
الإعراب والتركيب:
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُمَسِّكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِالْكِتَابِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يمسكون).
{وَأَقَامُوا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على الضم والواو فاعل معطوف على الصلة أو على معنى يمسكون.
{الصَّلَاةَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب و(نا) اسمها.
{لَا}: نافية.
{نُضِيعُ}: فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن.
{أَجْرَ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{الْمُصْلِحِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة لا نضيع في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ (الذين)، والرابط محذوف تقديره أجر المصلحين منهم.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر {يُمَسِّكُونَ} بتشديد الميم والسين المفتوحة من مسّك يمسّك.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (شعبة) {يُمْسِكُونَ} بسكون الميم وتخفيف السين من أمسك يمسك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل التام بين النموذجين: نموذج الخلف السوء الذين ورثوا الكتاب فأكلوه بالرشى وتركوا العمل به، ونموذج الأبرار الذين مسكوا بالكتاب بقوة وأقاموا الصلاة وعاشوا للإصلاح.
إفراد {الصَّلَاةَ} بالذكر بعد عموم الكتاب: عطف خاص على عام للتنويه بعظم شأن الصلاة وأنها الميزان الحقيقي لصدق التمسك بالوحي، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا عبر بـ {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} ووضع الظاهر موضع المضمر ولم يقل "أجرهم"؟
الدفع والمحاكمة البلاغية والعقلية:
وضع الاسم الظاهر {الْمُصْلِحِينَ} موضع الضمير (أجرهم) هو من أسرار الإعجاز القرآني؛ وفائدته:
التعليل والتنويه: لبيان أن سبب عدم إضاعة أجرهم ونيلهم هذه الكرامة هو اتصافهم بصفة "الإصلاح"؛ فالأجر معلق بهذا الوصف الجليل.
المدح والثناء: إثبات أن التمسك بالكتاب وإقامة الصلاة ليس عملاً انطوائياً معزولاً، بل هو الإصلاح الحقيقي الجامع العام الذي يصلح الفرد والمجتمع ويحارب الفساد.
دلالة التضعيف في {يُمَسِّكُونَ}: تدل على شدة الاستمساك ومجاهدة الصوارف؛ فالقابض على دينه في أزمنة الفتن يحتاج إلى شدة تمسك كالقابض على الجمر.
الالتفات بين المضارع {يُمَسِّكُونَ} والماضي {وَأَقَامُوا}: المضارع يدل على تجدد التمسك والاستمرار فيه ومواجهة النوازل بالوحي، والماضي يدل على ثبوت إقامة الصلاة واستقرارها كفريضة راسخة لا تنفك عن حياتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإصلاح يبدأ بالاستمساك بالوحي: لا نهضة حقيقية لأي أمة ولا صلاح لمجتمع إلا بالرجوع الصادق إلى كتاب الله وتطبيقه في مناحي الحياة كلها.
البشارة الإلهية المضمونة: العمل الصالح والإصلاح الدعوي لا يضيع عند الله أبداً؛ فكل جهد وبذل وتضحية في سبيل الله محفوظ ومضاعف في ميزان العزيز الوهاب.