توجيهات أئمة السلف والتفسير في نعم التمكين والمعايش:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 301)جامع البيانالطبري١٢/٣٠١ بسنده عن قتادة والسدي وابن عباس في قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ}: "يقول تعالى مذكراً بني آدم بنعمه السابغة عليهم: ولقد وطأنا لكم الأرض وجعلناها قراراً وسخرناها لكم، ومكّناكم من عمارة ديارها وسلوك فجاجها، وجعلنا لكم فيها أسباب المعايش من المطاعم والمشارب والمكاسب والتجارات والأنعام والزروع، {قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} أي: شكراً قليلاً تشكرون الله على هذه النعم الجليلة العظيمة".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 379)مصدر غير محدد٣/٣٧٩: "يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من التمكين في الأرض وإرساء الجبال وإجراء الأنهار وجعلها مستقراً لهم، وبث فيها المعايش والوسائل والأرزاق التي يتقوتون بها، ومع هذا الإنعام العظيم أكثرهم مقصرون في الشكر، كقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مَكَّنَّاكُمْ): التمكين هو جعل الشيء متمكناً ذا سلطان وقدرة ومستقر ثابت لا يزول؛ ومكّن له في الأرض: أقدره عليها وبسط سلطانه فيها.
(مَعَايِشَ): جمع مَعِيشَة؛ وهي كل ما يعاش به ويتغذى من الأطعمة والأشربة والمصالح والمكاسب.
الإعراب والتركيب:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية للامتنان، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
{مَكَّنَّاكُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والكاف مفعول به والميم للجمع.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بـ (مكّناكم).
{وَجَعَلْنَا}: معطوف فعل وفاعل.
{لَكُمْ}: متعلق بـ (جعلنا).
{فِيهَا}: متعلق بمحذوف حال من (معايش).
{مَعَايِشَ}: مفعول به لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة من غير تنوين لأنه على صيغة منتهى الجموع.
{قَلِيلًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر لـ (تشكرون) منصوب.
{مَّا}: صلة توكيدية للتقليل.
{تَشْكُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
التوجيه الصوتي والصرفي في (مَعَايِشَ):
أجمع القراء السبعة على قراءة {مَعَايِشَ} بالياء التحتانية المخففة من غير همز؛ لأن الياء فيها أصلية من (عاش يعيش عيشاً) وليست بزائدة في المفرد (معيشة)، فلا تُقلب همزة في الجمع كـ (مفاوِز ومبايِع)، بخلاف (رسائل ومدائن) فإن الهمزة مقلوبة عن حرف علة زائد في المفرد. وقرأ نافع في رواية شاذة عن ورش بالهمز وهي لغة مرجوحة عند النحاة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية وبراعة الانتقال إلى قصة بدء الخلق: بعد أن ذكر مصائر الأمم المكذبة وأهوال القيامة والميزان في الآيات السابقة، عاد الخطاب ليمتن على ذرية آدم بأصل النعمة التي أوجدتهم ومكنت لهم في الأرض وفتحت لهم أبواب المعايش؛ توبيخاً لهم على تقصيرهم في الشكر، وتمهيداً لذكر أصل الخلق وقصة أبيهم آدم مع إبليس في الآيات التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جحود الإنسان وكفران النعم:
تفضح الآية الطبيعة البشرية الناكرة للجميل؛ فالإنسان مغمور في ألوف النعم المادية والكونية الميسرة له في الأرض، لكنه لفرط غفلته يرى النواقص القليلة وينسى الأصول العظيمة فيقل شكره؛ فجاء التنبيه الإلهي {قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} لاستنهاض الهمم وبعث الحياء من المنعم الجواد.