تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 35)جامع البيانالطبري١٣/٣٥: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الله تبارك وتعالى لما ملأ السحرة الوادي بالحبال والعصي، وأوجس موسى في نفسه خيفة مما رأى، أوحى الله إليه في تلك اللحظة الحاسمة: {أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}؛ فلما ألقاها تحولت بقدرة الله الحية الحقيقية العظيمة ذات القوائم والعنق الهائل، ففتحت فاها وابتلعت كل ما ألقوه من الخشب والحبال والتمويه؛ فبطل كيدهم في طرفة عين.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 448)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٤٨: يبين ابن كثير أن العصا تحولت إلى ثعبان مبين حقيقي ذي لحم ودم وجرم عظيم، فجعل يبتلع حبالهم وعصيهم واحداً بعد الآخر، والسحرة ينظرون بأعينهم إلى ما صنعوه وهو يختفي ويزول من الوجود؛ فعلموا ببديهة علمهم وخبرتهم الدقيقة بصنعتهم أن هذا لا يمكن أن يكون من باب السحر ولا التخييل؛ لأن السحر لا يبتلع المواد ولا يفني الأجسام.
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 315)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣١٥: يقرر الشنقيطي أن المعجزة الإلهية في تلقف العصا لما يأفكون كانت برهاناً قاطعاً فرق بين السحر والتخييل البشري وبين قدرة رب العالمين على خلق الأعيان وقلب الجماد إلى حيوان مبتلع؛ مما أقام الحجة على السحرة وفرعون والملأ أجمعين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَلْقَفُ}: لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفاً وتَلَقَّفَ، أي ابتلع الشيء بسرعة وخفة والتقمه دفعة بعد دفعة.
{مَا يَأْفِكُونَ}: الإفك هو الكذب وقلب الحقائق وصرف الشيء عن وجهه؛ والمأفوك هو المصروف عن الصدق، والمعنى: ما يقلبونه من التخييل الباطل ويزورونه على الناس.
الإعراب والتركيب:
{وَأَوْحَيْنَا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع (نا)، و(نا) فاعل.
{إِلَىٰ مُوسَىٰ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أوحينا).
{أَنْ}: تفسيرية لا محل لها من الإعراب لأنها وقعت بعد فعل فيه معنى القول دون حروفه (أوحينا)، أو مصدرية في محل نصب بنزع الخافض أي: بأن ألقِ.
{أَلْقِ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت.
{عَصَاكَ}: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة، والكاف مضاف إليه.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسرعة، (إذا) هي الفجائية لا عمل لها.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{تَلْقَفُ}: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (هي).
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (تلقف).
{يَأْفِكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
وقرأ الباقون من القراء العشرة (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، أبو جعفر، يعقوب) {تَلَقَّفُ} بتاء مفتوحة بعدها لام مفتوحة وقاف مشددة مضارع تَلَقَّفَ وأصلها تتلقف فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً، وهي تدل على المبالغة والسرعة في الابتلاع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة المذهلة بين سحر الأعين وتلقف العصا: السحرة ألقوا آلاف الحبال والعصي فخيلوا للأعين وجود حيات، وموسى ألقى عصا واحدة مفردة فكانت حية حقيقية التهمت كل ركام الباطل؛ فعصا واحدة من قبل الله محت جهود السحرة وحشودهم.
التعبير بـ {إِذَا} الفجائية يرسم المفاجأة المدوية التي ألجمت السحرة وفرعون ولم تترك لهم مهلة للجدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: أين ذهبت حبال السحرة وعصيهم بعد أن ابتلعتها عصا موسى، وكيف اتسع جوف العصا لكل تلك الكميات الهائلة؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الآية معجزة خارقة للعادة جرت بقدرة الله الخالق الفعال لما يريد؛ فالذي خلق الكون من عدم قادر على إفناء الأجسام أو تصغيرها أو إحالتها في جوف الثعبان المعجز إلى لا شيء؛ والمعجزة إنما وُجدت لتخرق قوانين المادة المعتادة، ولو خضعت لقوانين الفيزياء لما كانت معجزة ملزمة للسحرة الذين هم أعلم الناس بقوانين المادة وخداع الأبعاد.
التنكير والإبهام في {مَا يَأْفِكُونَ}: ما موصولة تفيد العموم والاستغراق لكل ما زوروه وصنعوه، ووصف صنيعهم بـ (الإفك) فيه تحقير لأعمالهم وكشف لزيفها؛ فمهما عظم السحر فهو محض افتراء وكذب على الحواس.
دلالة {تَلْقَفُ} الصوتية والبيانية: تدل الكلمة بإيقاعها الصوتي على سرعة الالتقام والابتلاع الحاسم الذي لا يبقي أثراً للملتقَم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدخل الإلهي يأتي في اللحظة الحرجة لقلب الموازين: حين يستجمع الباطل كامل عدته وترتجف القلوب الضعيفة، يأمر الله بكلمة واحدة فتتهاوى عروش الزيف.
رسالة لكل صاحب حق: امضِ بما أمرك الله به وإن كان في ظاهره عوداً يابساً؛ فإن بركة الوحي وتأييد السماء تجعل من العود الضعيف قوة تبيد باطل الجبابرة.