تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 220)جامع البيانالطبري١٣/٢٢٠: يروي الطبري بأسانيده عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب رضي الله عنهم في تفسير آية الميثاق؛ أن الله تبارك وتعالى مسح ظهر آدم عليه السلام بنعمان (وادٍ بجوار عرفة) فأخرج من صلبه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة كهيئة الذر؛ فنثرهم بين يديه ثم خاطبهم وأشهدهم على أنفسهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا}؛ فأخذ عليهم العهد والميثاق بأنه لا إله غيره ولا رب سواه؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا التوحيد غافلين لم نعلم به ولم ينبهنا أحد.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 505)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٠٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن في الآية مسلكين لأهل العلم من السلف والخلف:
مسلك جمهور السلف والمحدثين: أن الله استخرج ذرية آدم حقيقة من ظهره وأشهدهم نطقاً وتكلماً بالتوحيد في عالم الذر، وجاءت في ذلك أحاديث وآثار صحيحة منها حديث عمر بن الخطاب في الموطأ وسنن أبي داود.
مسلك آخر نصره جماعة من المحققين (كابن تيمية وابن القيم والزمخشري): أن الإشهاد هنا هو إشهاد الفطرة والعقل؛ أي ركب في فطرهم وعقولهم الدلائل الباهرة على ربوبيته ووحدانيته، فكل مولود يولد على الفطرة مقراً بربه بلسان الحال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه» (متفق عليه)؛ والمسلكان متكاملان في إثبات الحجة الربانية على بني آدم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 344)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٤٤: يبين القرطبي أن الميثاق حجة قائمة تلزم كل إنسان بالتوحيد؛ فلا عذر لأحد في الكفر والشرك بعد شهادة الفطرة والآيات الكونية والرسل المنذرين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{ذُرِّيَّتَهُمْ}: الذرية نسل الإنسان وعقبه، مأخوذة من الذر وهو النثر والتفريق، أو من الذَّرّ وهو النمل الصغير لدقة خلقهم في البداية.
{بَلَىٰ}: حرف جواب يختص بنفي النفي وإثبات الإيجاب بعد الاستفهام المنفي؛ فجواب {أَلَسْتُ} بـ (بلى) اعتراف وإقرار بأنه الرب سبحانه، ولو قالوا: (نعم) لكفروا لأنها تصديق للنفي.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذْ}: ظرف زمان متعلق بـ (اذكر) محذوفاً.
{أَخَذَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{رَبُّكَ}: فاعل مرفوع وهو مضاف والكاف مضاف إليه.
{مِن بَنِي}: متعلقان بـ (أخذ)، وعلامة الجر الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وهو مضاف.
{آدَمَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
{مِن ظُهُورِهِمْ}: بدل اشتمال (أو بدل بعض من كل) من بني آدم بإعادة الجار والمجرور، والهاء مضاف إليه.
{ذُرِّيَّتَهُمْ}: مفعول به منصوب لـ (أخذ) وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{وَأَشْهَدَهُمْ}: معطوف ماضٍ وفاعل مستتر ومفعول به.
{بِرَبِّكُمْ}: الباء حرف جر زائد للتوكيد، (ربكم) مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ليس، والكاف مضاف إليه، والجملة مقول القول في محل نصب بتقدير: قائلاً أَلَسْتُ بربكم.
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعل.
{بَلَىٰ}: حرف جواب وإيجاب مبني على السكون.
{شَهِدْنَا}: فعل ماضٍ وفاعل، والجملة مقول القول.
{أَن تَقُولُوا}: (أن) مصدرية، (تقولوا) فعل مضارع منصوب بأن وعلامة النصب حذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله بتقدير: كراهة أن تقولوا، أو لئلا تقولوا.
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ (تقولوا) وهو مضاف.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر {ذُرِّيَّتَهُمْ} بالإفراد ونصب التاء.
وقرأ أبو جعفر ويعقوب {ذُرِّيَّاتِهِمْ} بالجمع وكسر التاء نيابة عن الفتحة.
قرأ الجمهور {أَن تَقُولُوا} بتاء الخطاب، وقرأ أبو عمرو في رواية بياء الغيبة {أَن يَقُولُوا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ذروة التأسيس العقدي لفكرة الفطرة والتوحيد في سورة الأعراف؛ فبعد أن سردت السورة تاريخ الرسل وأقوامهم، ومواثيق بني إسرائيل والعهد عند نتق الجبل في الآية السابقة، رجعت بالبشرية كلها إلى نقطة البداية الأولى: أصل الميثاق الفطري الإنساني العام المأخوذ على كل نفس بشرية.
النظم الحواري المعجز: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا}؛ إقرار بالعبودية لله وربوبيته لا يدع منفذاً لغفلة ولا لشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: نحن لا نذكر هذا الميثاق ولا نحفظ متى كان هذا الحوار، فكيف تقوم الحجة علينا بشيء لا نذكره؟
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية الراسخة:
الحجة قائمة بآثار هذا الميثاق المستقرة في الفطرة الإنسانية السليمة التي لا تنمحي؛ فكل إنسان يجد في قرارة وجدانه وفطرته ميلاً اضطرارياً إلى الإقرار بوجود خالق عظيم منعم يلتجئ إليه عند الشدائد والكوارث؛ مضافاً إلى أن الله لم يكتفِ بهذا الميثاق الفطري المجرد، بل أرسل الرسل وأنزل الكتب مذكرين بهذا العهد ومجددين لذكره: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]؛ فاجتمع برهان الفطرة الباطن مع برهان الوحي الظاهر، فبطلت كل حجة للمعاندين.
التعبير بـ {مِن ظُهُورِهِمْ} بدل اشتمال: إحكام لغوي بياني يركز على انتقال النسل تتابعاً من ظهر إلى ظهر عبر التوالد البشري، مما يفيد استغراق الميثاق لكل فرد من أفراد البشرية.
الاستفهام التقريري بـ {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}: أبلغ أساليب الإلزام والاعتراف؛ لأن الاستفهام التقريري يحمل المخاطب على الإقرار بالحق الثابت.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أصالة التوحيد في النفس الإنسانية: الشرك عارض طارئ ودخيل على النفس، والأصل الأصيل هو التوحيد ومعرفة الله؛ ومهمة الداعية هي إزالة الغبار عن مرآة الفطرة لترى نور الحق.
سقوط عذر الغفلة والجهل عند قيام الحجة؛ فالمرء مسؤول عن عقيدته وفكره، وعليه أن يبحث عن الحق ولا يركن إلى التبريرات الواهية.