تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 343)جامع البيانالطبري١٣/٣٤٣: يوضح الطبري أنه لما أمر الله تعالى نبيه بمكارم الأخلاق والصفح عن الجاهلين من بني آدم، بيّن له الطريق الحاسم في دفع عدوه الخفي الذي لا ينجع معه الحلم ولا يقبل المسامحة وهو إبليس وجنده؛ فإذا وسوس الشيطان أو ألقى في الصدر نزغة غضب تحث على الانتقام أو مجاراة الجاهل، فليلتجئ العبد فوراً إلى الله بالاستعاذة، فإن الله سميع لجهره وسره، عليم بما يصلح شأنه ويدفع كيد عدوه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 537)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٣٧: يقرر ابن كثير قاعدة قرآنية جليلة في معاملة العدوين: عدو الإنس وعدو الجن؛ فإن القرآن قرن بين الأمرين في ثلاثة مواضع:
في فصلت: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ... وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 34-36]. فعدو الإنس يُدارى بالإحسان والحلم ليتحول إلى صديق، وعدو الجن شيطان رجيم لا يرجى صلاحه ولا يدفعه إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 313)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣١٣: يبين السعدي أن نزغ الشيطان هو إلقاء الوساوس وإثارة بواعث المعاصي والغضب والفتنة؛ ودواء ذلك هو اللجوء التام إلى حصن الله المنيع والاعتصام به.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَنزَغَنَّكَ}: النزغ هو الدخول في الأمر للإفساد، ونزغ الشيطان وسوسته وإلقاؤه خواطر الغضب والشر لإثارة الفتنة والعداوة؛ يقال: نزغ بين القوم إذا أفسد بينهم وحرش.
{نَزْغٌ}: مصدر مؤكد للفعل، وجاء منكراً للدلالة على القلة والتحقير؛ أي أيّ نزغ كان ولو كان أدنى حركة نفسية أو همّة غضب.
{فَاسْتَعِذْ}: من العوذ وهو الالتجاء والتحصن والاعتصام بالغير لدفع المكروه؛ فالاستعاذة بالله هي الفرار من الشيطان إلى حياض قدرة الله تعالى وحمايته.
{يَنزَغَنَّكَ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم.
{مِنَ الشَّيْطَانِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (نزغ) أو متعلقان بـ (ينزغنك).
{نَزْغٌ}: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
{فَاسْتَعِذْ}: الفاء واقعة في جواب الشرط رابطة، استعذ فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{بِاللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (استعذ).
{إِنَّهُ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسم إن.
{سَمِيعٌ}: خبر أول لـ إن مرفوع بالضمة.
{عَلِيمٌ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية تعليلية للأمر بالاستعاذة لا محل لها من الإعراب.
القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات المتواترة على توكيد الفعل بالنون الثقيلة وفتحها {يَنزَغَنَّكَ} وبناء الجواب على الأمر {فَاسْتَعِذْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء الربط بديعاً جداً: لما كان العفو والأمر بالعرف والإعراض عن الجاهلين أمراً تشق عليه الطباع البشرية ويثور عنده الغضب الطبيعي للنفس، وكان الشيطان يتربص بهذه اللحظات ليؤجج حمية الغضب ويفسد الحلم، أرشد الله تعالى إلى الترياق الفوري وهو الاستعاذة بالله لقطع حبل كيد الشيطان قبل أن يتحول إلى فعل طائش.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توجيه الخطاب بالنزغ للنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم: زعم بعض المشككين أن اشتراط النزغ يفيد إمكانية تسلط الشيطان على النبي صلى الله عليه وسلم بما ينافي العصمة!
الدفع والمحاكمة العقدية الصارمة عند أهل السنة:
الخطاب في ظاهره للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته والتشريع العام لجميع المؤمنين، كما هو معهود في أساليب القرآن.
على تقدير توجه الخطاب لشخصه الشريف: العصمة النبوية لا تمنع عروض المحاولات الشيطانية الخارجية من إلقاء وسوسة أو محاولة إثارة غضب طبيعي؛ بل إن كمال العصمة يتجلى في أن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي فوراً، فلا يستقر في قلبه نزغ ولا يستجيب لكيد الشيطان؛ وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير». فالأمر بالاستعاذة هو بيان لسبب العصمة ووسيلتها التعبدية لإظهار كمال العبودية والافتقار إلى الله تعالى.
التوكيد بنون التوكيد الثقيلة وتنكير الفاعل: اقتران {إِمَّا} الشرطية بنون التوكيد {يَنزَغَنَّكَ} مع تنكير {نَزْغٌ} يعطي إشعاراً بأن أدنى حركة وساوس وأضعف خطرة شيطانية يجب ألا يستهان بها، بل تقابل فوراً بالحزم الإيماني والاستعاذة الصادقة.
الفاء الفصيحة الرابطة للجواب: تفيد التعقيب المباشر وسرعة الالتجاء إلى الله دون تردد أو تأخير؛ لأن الغضب جمرة إذا لم تطفأ بالذكر والاستعاذة أحرقت الحلم.
ختم الآية بـ {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: سميع لاستعاذتك وضراعتك، عليم بما يعتلج في صدرك من النزغات وبما يكيده عدوك الخفي، وهو كافيك وناصرك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه إدارة الغضب: عند فوران الغضب في النفس لا ينبغي للعبد أن ينفذ ما تمليه عليه نفسه، بل الواجب التوقف فوراً والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والتوضؤ وتغيير الهيئة كما أرشدت السنة النبوية المطهرة.
حقيقة العداوة الشيطانية: الشيطان عدو متربص لا يغفل، وسلاحه الأعظم إثارة الخصومات والنزاع والقطيعة بين أهل الإيمان؛ وسلاح المؤمن الأوحد هو صدق الالتجاء إلى الله والاستعاذة به في كل حين.