تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 58)جامع البيانالطبري١٣/٥٨: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن آل فرعون لما ابتلوا بالسنين ونقص الثمرات كان إذا أصابهم الخصب والرخاء وكثرة الزرع ورخص الأسعار، نسبوا ذلك إلى استحقاقهم وجدارتهم وقالوا: {لَنَا هَٰذِهِ} ونحن أهلها ومستحقوها بحكمتنا وتدبيرنا، ولم يشكروا الله عليها؛ وإذا أصابهم البلاء والجدب والمرض والقحط تشاءموا بموسى والمؤمنين وقالوا: هذا شؤم موسى ودعوته وما لحقنا هذا الضر إلا بسببه ومن معه؛ فرد الله عليهم مؤكداً: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ}؛ أي شؤمهم وأسباب بلائهم إنما هو بقضاء الله وقدره وبسبب كفرهم وجحودهم، لا بسبب موسى ولا أصحابه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 457)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٥٧: يوضح ابن كثير أن هذا السلوك هو نمط المنافقين والكفار في كل زمان: ينسبون النعم إلى ذكائهم واستحقاقهم، وينسبون المصائب والأزمات إلى أهل الدين والدعوة تشاؤماً وتطيراً؛ فأبطل الله دعواهم وبين أن ما ينزل بهم هو جزاء كفرهم المقدر عند الله.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 263)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٦٣: يبين القرطبي أن التطير هو التشاؤم بالشيء، وأصله زجر الطير؛ وكانوا يظنون أن حركة الطير تجلب الحظ أو النحس؛ فنفى القرآن ذلك وأثبت أن الأمر كله بيد الله يجري بحكمته وعدله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْحَسَنَةُ}: النعمة والرخاء والخصب والعافية، وأصلها ما يحسن ويطيب في النفوس.
{سَيِّئَةٌ}: البلاء والقحط والمرض والشدة، وأصلها ما يسوء الإنسان ويحزنه.
{يَطَّيَّرُوا}: أصله يتطيروا، أدغمت التاء في الطاء للمبالغة، وهو التشاؤم بالمرئي أو المسموع.
{طَائِرُهُمْ}: الطائر هنا مستعار للحظ والنصيب من الخير والشر المكتوب في اللوح المحفوظ المقدر من عند الله.
الإعراب والتركيب:
{فَإِذَا}: الفاء استئنافية، (إذا) ظرفية شرطية غير جازمة.
{جَاءَتْهُمُ}: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به.
{الْحَسَنَةُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة الشرط في محل جر مضاف إليه.
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعل، والجملة جواب شرط غير جازم لا محل لها.
{لَنَا}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{هَٰذِهِ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة مقول القول في محل نصب.
{وَإِن}: الواو عاطفة، (إن) حرف شرط جازم.
{تُصِبْهُمْ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، والهاء مفعول به.
{سَيِّئَةٌ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{يَطَّيَّرُوا}: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{بِمُوسَىٰ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يطيروا).
{وَمَن}: الواو عاطفة، (من) اسم موصول مبني في محل جر معطوف على موسى.
{مَعَهُ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء مضاف إليه.
{أَلَا}: أداة استفتاح وتنبيه.
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر.
{طَائِرُهُمْ}: مبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه.
{عِندَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة، (لكنّ) حرف استدراك ونصب.
قرأ الجمهور {يَطَّيَّرُوا} بتشديد الطاء، وقرئ في الشواذ (يَتَطَيَّرُوا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعبير بـ {إِذَا} مع الحسنة وبـ {إِن} مع السيئة: إعجاز بياني دقيق؛ فاستعمال "إذا" مع الحسنة يدل على كثرتها وتحقق مجيئها؛ لأن نعم الله وأرزاقه هي الأصل الغالب المفروغ منه؛ بينما استعمل "إن" مع السيئة لأن نزول القحط والبلاء عارض نادر لا يقع إلا نادراً عقوبة لهم على كفرهم.
التعبير بالفعل الماضي {جَاءَتْهُمُ} مع الحسنة لتأكيد وقوعها، وبالمضارع {تُصِبْهُمْ} مع السيئة لاستحضار صورة النزول المؤلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا يتشاءم الكفار دائماً بوجود الأنبياء والمصلحين عند نزول الكوارث؟
الدفع والمحاكمة العقلية: النفس البشرية الغارقة في الترف والكبر تعجز عن مواجهة عيوبها الذاتية؛ فلما جاءت الكوارث الطبيعية بعد دعوة موسى، خافوا من الاعتراف بأنها غضب إلهي بسبب عنادهم لأن ذلك يلزمهم بالإيمان؛ فلجأوا إلى الحيلة النفسية الهروبية الشائعة وهي "إلقاء اللوم على الضحية والمصلح"؛ فزعموا أن دعوة موسى هي التي جلبت الشؤم والنحس ليبرروا أمام الناس استمرار عداوتهم له.