تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 73)جامع البيانالطبري١٣/٧٣: يفسر الطبري قوله تعالى: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي أوقعنا بهم عقوبتنا العادلة بعد أن استنفدوا كل فرص التوبة ونكثوا العهود؛ {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} وهو بحر القلزم (البحر الأحمر) حين تبعوا موسى وقومه بجنودهم وبغيهم، فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فلما تكامل بنو إسرائيل خارجين وتكامل فرعون وجنده داخلين، انطبق عليهم البحر فغرقوا عن آخرهم؛ والعلة الإلهية: {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} أي كذبوا بالمعجزات وأعرضوا عنها إعراض الغافل اللاهي الذي لا يبالي بالإنذار.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 463)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٦٣: يوضح ابن كثير أن الانتقام الإلهي هنا كان جزاءً وفاقاً؛ فهم عذبوا بني إسرائيل وأغرقوا أطفالهم في ماء النيل، فجعل الله هلاكهم بنفس العنصر وهو الماء؛ فأغرق فرعون وجنوده جميعاً في اليم ليكونوا عبرة للعالمين.
تفسير الشنقيطي (أضواء البيان، ج 2، ص 327)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٢٧: يقرر الشنقيطي أن الجمع بين التكذيب والغفلة يبين سبب الهلاك: فالتكذيب عمل القلب والجوارح بالمخالفة الصريحة، والغفلة هي الإعراض عن التدبر والاعتبار بالآيات حتى دهمهم الهلاك وهم لا يشعرون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَانتَقَمْنَا}: الانتقام معاقبة الجاني ومجازاته بعدله على ما اقترف من الجرم والعدوان.
{الْيَمِّ}: اليم هو البحر العظيم والماء الكثير المتلاطم، وهي كلمة سامية قديمة.
{غَافِلِينَ}: اسم فاعل من غفل يغفل غفلة، والغفلة ذهول القلب عن الشيء مع تيسر تذكره.
الإعراب والتركيب:
{فَانتَقَمْنَا}: الفاء عاطفة سببية، فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا)، و(نا) فاعل.
{مِنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (انتقمنا).
{فَأَغْرَقْنَاهُمْ}: الفاء تفسيرية عاطفة، فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل والهاء مفعول به.
{فِي الْيَمِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أغرقناهم).
{بِأَنَّهُمْ}: الباء سببية، (أنّ) حرف توكيد ونصب ومصدري، والهاء اسمها.
{كَذَّبُوا}: فعل ماضٍ وفاعل، والجملة في محل رفع خبر أن.
{بِآيَاتِنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (كذبوا)، و(نا) مضاف إليه.
{وَكَانُوا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{عَنْهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (غافلين).
{غَافِلِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل جر بالباء متعلق بـ (أغرقناهم) أو بانتقمنا.
القراءات المتواترة:
قرأ القراء العشرة جميعاً بألفاظ الآية المتفق عليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الرباني المحكم: الفاء السببية رتبت الانتقام على النكث في الآية السابقة، ثم فسرت الانتقام بالإغراق، ثم عللت ذلك بالعلة المزدوجة: التكذيب الإيجابي بالغ والمعاندة، والغفلة السلبية المفرطة عن الآيات.
تقديم الجار والمجرور في {عَنْهَا غَافِلِينَ}: للاهتمام بالآيات والتشنيع على غفلتهم عنها مع كونها باهرة مفصلة لا يغفل عنها عاقل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يوصفون بالغفلة {وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} وهم الذين عاينوا الآيات وطلبوا كشف الرجز مراراً وتكراراً؟
الدفع والمحاكمة العقلية: الغفلة هنا ليست عدم العلم الحسي؛ بل هي الغفلة الإعراضية الناتجة عن الكبر والبطر؛ أي أنهم تعاملوا مع الآيات كأنها لم تكن بمجرد زوال البلاء؛ فتصرفوا تصرف الغافل الذي لا يتوقع عقوبة ولا يخشى حساباً؛ فالغفلة إذا كانت متعمدة ومصحوبة بالتكذيب كانت من أشنع الجرائم التي استوجبت الانتقام الإلهي.
إسناد الانتقام والإغراق إلى نون العظمة الإلهية {فَانتَقَمْنَا... فَأَغْرَقْنَاهُمْ}: لإظهار القهر والجبروت الإلهي في قصم هؤلاء الجبابرة الذين قال قائلهم: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}.
المقابلة في الجزاء: فرعون الذي افتخر بالأنهار تجري من تحته في قوله: {وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} [الزخرف: 51]، صار ماء البحر يجري من فوقه ويطبقه ويغرقه!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
من سنن الله القطعية أن الظلم مهما طال أمده واستكبر أهله، فإن نهايته محتومة بانتقام إلهي عادل يثلج صدور المؤمنين.
الغفلة عن آيات الله في الكون والأنفس ممر مهلك يقود الإنسان إلى الهلاك وهو يظن أنه في مأمن.