تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 303)جامع البيانالطبري١٣/٣٠٣: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن قريشاً أو طائفة من أحبار اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعنتاً وامتحاناً فقالوا: يا محمد، أخبرنا متى الساعة؟ ومتى تقوم هذه القيامة التي تعدنا بها؟ {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}؛ فأمره الله أن يجيبهم بالحقيقة المجردة: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} استأثر به في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً؛ {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} أي لا يكشف عنها ولا يظهرها في وقتها المحدد إلا الله وحده؛ {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ثقل علمها على أهل السماوات والأرض لهولها وعظم شأنها؛ {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} فجأة على حين غفلة من الناس؛ {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} أي كأنك عالم بها قد استقصيت وبحثت عنها حتى علمت وقتها؛ فقل مكرراً للحصر: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} حكمة إخفائها.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 525)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥٢٥: يذكر ابن كثير حديث جبريل الطويل المشهور في الصحيحين حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "فأخبرني عن الساعة؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، ولكن سأخبرك عن أشراطها؛ فبين الحديث أن وقت قيام الساعة سر مكتوم في علم الغيب المطلق لله تعالى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 377)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٧٧: يبين القرطبي أن الحفي في كلام العرب هو المستقصي المبالغ في السؤال والبحث، أو اللطيف البار؛ والمعنى: يسألونك كأنك ملحٌّ في السؤال عنها حتى علمته، أو كأنك حفي بهم تجيبهم إلى ما يطلبون؛ فبين الله أن علمها غيب محض استأثر الله به.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَيَّانَ}: اسم استفهام مبني على الفتح يسأل به عن الزمان المستقبل ويفيد التهويل والتعظيم.
{مُرْسَاهَا}: ميمية أو اسم مكان/زمان من أرسى يرسي إرساءً، والإرساء الثبوت والوقوع والاستقرار، كإرساء السفينة إذا استقرت على الشاطئ.
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني في تكرار الحصر: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} في المرة الأولى، ثم {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ} في المرة الثانية؛ لتثبيت هذه العقيدة الغيبية الصارمة وقطع أطماع السائلين؛ فلا مجال للظن ولا للحسابات التنجيمية.
التدرج في وصف أهوال الساعة:
اختصاص الله بعلمها وتجليتها.
ثقلها الكوني العظيم في السماوات والأرض.
مباغتتها ومفاجأتها للخلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: ما الحكمة من إخفاء موعد قيام الساعة عن الأنبياء والملائكة وسائر البشر؟
الدفع والمحاكمة الحكيمة والعقلية:
إخفاء موعد الساعة هو عين الحكمة والرحمة الإلهية؛ فلو علم الناس وقت قيامها المحدد لتكاسلوا عن العمل الصالح وركنوا إلى التسويف وظلوا في غفلتهم حتى يقترب الميعاد؛ أما حين تكون مجهولة الموعد متوقعة الوقوع بغتة في أي لحظة، فإن النفوس تظل على حذر دائم وتأهب مستمر ومراقبة لله في كل عمل؛ فالمقصد هو العمل والاستعداد لها وليس معرفة تاريخها الحسابي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله: متى الساعة؟ قال: «وما أعددتَ لها؟».
الاستعارة في {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}: شبه الساعة بسفينة عظيمة تمخر عباب بحر الغيب حتى تستقر وترسو في موعدها وقضائها المحتوم.
التعبير بـ {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: مجاز دال على عظم هيبتها وشدة وقعها على الملائكة والجن والإنس وأجرام الكواكب والنجوم التي تتصدع وتنكدر عند قيامها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الغيب المطلق حق لله وحده: لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، وكل من يدعي تحديد يوم أو سنة للقيامة عبر التاريخ فهو كاذب مفترٍ يعارض صريح القرآن.
الاستعداد للرحيل: قيامة كل إنسان تبدأ بموته؛ فمن مات فقد قامت قيامته، والواجب الاشتغال بالاستعداد وتقديم العمل الصالح قبل مباغتة الأجل.