أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" (12/ 310)جامع البيانالطبري١٢/٣١٠ بسنده عن ابن سيرين والحسن البصري قالا: "أول من قاس إبليس، وما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس".
أخرج الطبري عن قتادة قال: "قاس عدو الله إبليس، فرأى أن النار أشرف من الطين، فغره قياسه الفاسد وأورده الهلاك؛ والنار تأكل الطين، والطين فيه النماء والبركة والرزان والحلم، والنار فيها الطيش والظلمة والاحتراق والخفة".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 381)مصدر غير محدد٣/٣٨١: "يقول تعالى موبخاً لإبليس على معصيته واستكباره: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} أي: أي شيء حجزك وعاقك عن الامتثال لأمري المباشر الصريح؟! فأجاب إبليس مجيباً بشر من ذنبه؛ وهو الاحتجاج بالقياس الفاسد والكبر: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فقدم أصله على أصل آدم، وتكبر عن السجود لمن خُلق من طين، فركب ذنب الكبر والحسد والمقايسة على خلاف النص الصريح".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(مَنَعَكَ): الحجز والكف؛ وما منعك: أي شيء حملك على الامتناع.
(قِيَاسُ إِبْلِيسَ): معارضة الأمر الشرعي بالرأي والهوى وتفضيل مادة النار على مادة الطين.
الإعراب والتركيب:
{قَالَ}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى.
{مَا}: اسم استفهام توبيخي تقريعي في محل رفع مبتدأ.
{مَنَعَكَ}: فعل ماض والفاعل مستتر والكاف مفعول به أول، والجملة خبر (ما).
{أَلَّا}: (أن) مصدرية ناصبة، و(لا) زائدة صلة لتأكيد معنى المنع؛ أو (لا) نافية والمصدر المؤول بتقدير حرف جر محذوف (أي: ما منعك من أن تسجد، أو ما دعاك إلى ألا تسجد).
{تَسْجُدَ}: مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت. والمصدر المؤول في محل نصب مفعول ثان لـ (منعك) أو مجرور بحرف جر محذوف.
{إِذْ}: ظرف لما مضى متعلق بـ (تسجد) أو بـ (منعك).
{أَمَرْتُكَ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذ).
{قَالَ}: فعل ماض والفاعل مستتر يعود على إبليس.
{أَنَا}: ضمير منفصل مبتدأ مبني على السكون.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِّنْهُ}: متعلق بـ (خير). والجملة مقول القول في محل نصب.
{خَلَقْتَنِي}: فعل ماض وفاعل ومفعول به، والجملة تعليلية لمقول القول لا محل لها.
{مِن نَّارٍ}: متعلق بـ (خلقتني).
{وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}: عاطفة، فعل وفاعل ومفعول به ومتعلق به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومحاكمة الكبر واستنطاق العاصي: بعد أن بيّنت الآية السابقة امتناع إبليس عن السجود، انتقل المشهد إلى الاستنطاق والمحاكمة الإلهية التوبيخية: لمَ لمْ تسجد بعد أن أمرتك؟! فكشف إبليس عن مكنون نفسه الخبيثة: إنه الكبر والحسد والدعوى الجوفاء بالخيرية والاستناد إلى قياس فاسد في المفاضلة بين النار والطين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك مغالطة القياس الإبليسي وإبطال معارضة النص بالعقل:
تُعد دعوى إبليس {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} النموذج الأقدم والأخطر لكل من يعارض نصوص الوحي الصريحة بالأقيسة العقلية الفاسدة؛ وتهافت قياسه من وجوه قاطعة:
فساد الاعتبار: كل قياس عارض النص الشرعي الصريح فهو قياس فاسد الاعتبار باطل بالضرورة؛ لأن النص حجة معصومة والقياس اجتهاد بشري قاصر؛ وإبليس عارض أمر الله المباشر {إِذْ أَمَرْتُكَ} بقياسه!
بطلان المقدمة في تفضيل النار على الطين: ادعى أن النار خير من الطين، وهذا جهل محض؛ فالنار مادة إفساد وطيش وإحراق واضطراب وظلمة وعلو واستكبار؛ بينما الطين والتراب مادة رزانة وثبات ووقار وإنبات للزروع والثمار والأقوات والحياة.
تجاهل شرف الاصطفاء الإلهي: آدم لم ينل الشرف بمجرد كونه من طين، بل بنفخ الروح فيه وتسويم الله له وتعليمه الأسماء كلها وأمر الملائكة بالسجود له، وتلك فضائل غفل عنها حسد إبليس وعماه.
التأكيد في قوله {إِذْ أَمَرْتُكَ}: لتشديد التقريع وإسقاط أي عذر؛ فالآمر هو الخالق المالك الجبار، والأمر صريح مباشر لا يحتمل التأويل.
الوقاحة في قول اللعين {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}: التصدير بـ (أنا) الدالة على العجب والكبر؛ وهي الكلمة المهلكة التي أودت بفرعون (أنا ربكم الأعلى) وقارون (إنما أوتيته على علم عندي).
المقابلة التفضيلية الزائفة: بين (خلقتني من نار) و(خلقته من طين).
اللطائف الإشارية والتدبرية:
الكبر داء عضال يحجب العقل عن رؤية الحقائق الصريحة ويقود صاحبه إلى الجرأة على مقام الربوبية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الصارم من داء الكبر والعجب:
التواضع لله ولخلقه؛ فمن تكبر وضعه الله، وفي الحديث الصحيح: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
التسليم لأمر الله وتقديم النص على الرأي:
عدم رد أحكام الشريعة بالأهواء والآراء العقلية القاصرة؛ فدين الله تسليم وانقياد.