توجيهات أئمة السلف والتفسير في أوقات المباغتة بالعذاب:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (12/ 288)جامع البيانالطبري١٢/٢٨٨ بسنده عن ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ}: "البيات: ليلاً وهم نائمون غافلون، وقائلون: من القيلولة، وهي نصف النهار وقت استراحتهم ونومهم؛ وهذان الوقتان هما أوقات الدعة والغفلة والراحة عند البشر، فكان عذاب الله يأتيهم بغتة في أشد أوقات غفلتهم وأمنهم ليكون أفظع وأقطع لآمالهم وأشد في الحسرة".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/ 376)مصدر غير محدد٣/٣٧٦: "يقول تعالى محذراً من مخالفة أمره ومكذبي رسله، بما أحل بالأمم الماضية من النقمات: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي: بتكذيبهم رسلنا، {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا} أي: ليلاً، {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} أي: في وقت القائلة وهي نصف النهار؛ وكلا الوقتين وقت غفلة وسكون ودعة، فجاءهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، كقوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
(بَيَاتًا): مأخوذ من البَيَات والتَّبْيِيت؛ وهو قصد العدو وإيقاع الغارة والعذاب عليه ليلاً في وقت نومه.
(قَائِلُونَ): اسم فاعل من القَيْلُولَة والقَيْل؛ وهو الاستراحة والنوم في وقت الظهيرة ونصف النهار.
الإعراب والتركيب:
{وَكَم}: الواو استئنافية للتحذير بسنن التاريخ، (كم) خبرية تفيد التكثير مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ.
{مِّن قَرْيَةٍ}: (من) حرف جر بياني زائد أو مؤكد للتمييز، (قرية) تمييز مجرور لفظاً منصوب محلاً.
{أَهْلَكْنَاهَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (كم).
{فَجَاءَهَا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والترتيب، جاء فعل ماض والهاء مفعول به.
{بَأْسُنَا}: فاعل مرفوع بالضمة، و(نا) مضاف إليه.
{بَيَاتًا}: مصدر في موضع الحال المنصوبة (أي بائتين)، أو ظرف زمان منصوب.
{أَوْ}: حرف عطف للتقسيم وتنويع الأحوال.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{قَائِلُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب معطوفة على الحال الأولى (بياتاً)؛ والتقدير: فجاءها بأسنا بائتين أو قائلين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية والإنذار بالصاعقة التاريخية: بعد أن أمر باتباع الوحي ونهى عن اتباع أولياء الباطل في الآية السابقة، عاجلهم بهذا الترهيب الصارم؛ مستعرضاً مصارع الأمم الغابرة الكثيرة التي استهانت بأمر الله، فباغتها البأس الإلهي وهي في قمة أمنها ودعتها وغفلتها؛ ليعلم كفار قريش أن الأمان الذي يشعرون به في دورهم بمكة خادع، وأن عذاب الله قادر على مباغتتهم في أي ساعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة المباغتة الإلهية وسقوط حصون الأمان المزيف:
تبين الآية سنة سننية كونية: أن العذاب المستأصل غالباً ما يحل بالأمم المكذبة في أوقات السكون والاطمئنان والتمتع بالحياة (الليل أو القيلولة)؛ لبيان عجز الحصون والجيوش والأنظمة عن رد قضاء الله إذا نزل؛ فلا يغتر ظالم بقوته، ولا ينام آمن مفرط على معصيته.