تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 106)جامع البيانالطبري١٣/١٠٦: ينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة أن الله تعالى أعطى موسى في ذلك الميقات الألواح؛ وكانت من زبرجد أو ياقوت أو زمرد أو صخر خفيف نزل بها جبريل أو كتبها الله بيده الكريمة سبحانه كما تليق بجلاله؛ وجعل فيها {مِن كُلِّ شَيْءٍ} يحتاجون إليه في دينهم من الموعظة لترقيق القلوب والحلال والحرام، و{تَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} من الأحكام والحدود والفرائض والشرائع؛ وأمر موسى أن يأخذها {بِقُوَّةٍ} أي بجد وعزم ونشاط وحرص واجتهاد في تطبيقها، وأن يأمر بني إسرائيل أن يأخذوا {بِأَحْسَنِهَا}؛ وتوعد المخالفين بقوله: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} وهي مصارع المكذبين كديار ثمود وعاد وفرعون أو جهنم في الآخرة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 473)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٧٣: يوضح ابن كثير أن الألواح تضمنت التوراة التي فضلت شرائعها أصول الدين وفروعه لبني إسرائيل؛ وأمره بالأخذ بأحسنها أي اختيار العزائم في موضعها، أو تقديم الفضل على العدل كالعفو عند المقدرة؛ فإن الأحكام فيها حسن (كالعدل والقصاص) وأحسن (كالعفو والإحسان)، فالمؤمن مأمور بالأخذ بالأكمل والأفضل.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 287)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٢٨٧: يبين القرطبي أن الأخذ بقوة يعني الجد والحزم في الامتثال وترك الرخص الملهية والمداهنة في حدود الله، لأن حمل الرسالات السماوية لا يصلح معه التهاون والتفريط.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْأَلْوَاحِ}: جمع لَوْح، وهو كل صفيحة مسطحة عريضة من خشب أو حجر أو معدن يكتب عليها.
{مَّوْعِظَةً}: مصدر ميمي أو اسم من الوعظ، وهو التذكير بالخير والترغيب فيه والترهيب من الشر بما يرقق القلب.
{بِأَحْسَنِهَا}: أفعل تفضيل، والمراد الأفضل والأكمل في رتب الطاعة والعمل.
الإعراب والتركيب:
{وَكَتَبْنَا}: الواو عاطفة، فعل ماضٍ مبني على السكون و(نا) فاعل.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ (كتبنا).
{فِي الْأَلْوَاحِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (كتبنا).
{مِن كُلِّ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (موعظة) قدمت عليها، أو متعلقان بـ (كتبنا)، و(كل) مضاف.
{شَيْءٍ}: مضاف إليه مجرور.
{مَّوْعِظَةً}: بدل من (كل شيء) أو مفعول به منصوب لـ (كتبنا).
{الْفَاسِقِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
أجمع القراء العشرة على كتابة وقراءة الآية بألفاظها المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الرباني يجمع بين ركائز التربية: الموعظة التي تخاطب الوجدان، والتفصيل الذي يضبط الأحكام والتشريعات؛ فلا تكتفي الشريعة بالترغيب العاطفي بل تؤطره بقوانين دقيقة ومحددة.
اقتران الأمر بالأخذ بقوة مع الأمر بالأخذ بالأحسن: ليوازن بين الحزم والصرامة في تطبيق الشريعة وبين السمو الروحي في التماس معالي الأمور ومكارم الأخلاق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يؤمرون بأخذ "أحسنها" وهل في كلام الله وشريعته شيء غير حسن ليتجنبوه؟
الدفع والمحاكمة العقلية: كلام الله كله حسن غاية في الكمال والجمال؛ وصيغة التفضيل هنا {بِأَحْسَنِهَا} كقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر: 55]، ولها وجهان عقليان وبلاغيان أصيلان:
أن الشريعة فيها مباح وحسن ومستحب؛ فالقصاص عدل وحسن، والعفو والصفح إحسان وأحسن؛ فأمروا بالارتقاء إلى مرتبة الإحسان والعفو والمعالي.
أن المأمورات تنقسم إلى واجبات ومحرمات؛ والأخذ بأحسنها يعني التمسك بالأوامر وترك النواهي؛ ففعل الطاعة أحسن من مقارفة المعصية؛ فليس في الآية أي إيحاء بوجود قبيح في التوراة، بل هو حث على اختيار أرفع مراتب الفضل والكمال.
الباء في {بِقُوَّةٍ}: باء الملابسة والآلة؛ وتدل على أن التكاليف الشرعية لا تؤدى بتكاسل ولا بتسويف، بل بعزم صادق وإرادة وثابة تذلل الصعاب.
الوعيد الموجه في {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}: التفات من خطاب موسى المفرد إلى خطاب الجمع لقومه للتحذير والإنذار بأن مخالفة هذه الشريعة تفضي حتماً إلى مصائر الهالكين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدين الحقيقي يحتاج إلى قوة وعزم: الشريعة لا تصان بالتهاون والركون إلى الراحة، بل بالاستمساك الصارم بأوامر الله ونواهيه.
السمو في درجات التقوى: لا يكتفي المؤمن بالوقوف عند حدود إسقاط الواجب الأدنى، بل ينافس في معالي الأخلاق ومقامات الإحسان ونوافل الطاعات.