تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 193)جامع البيانالطبري١٣/١٩٣: يروي الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يبكي إذا قرأ هذه الآية ويقول: "أرى الذين نهوا قد نجوا، والذين ظلموا قد هلكوا، ولا أرى للفرقة الثالثة الساكتة ذكراً! فما ندري ما فُعل بهم؟ أهلكوا أم نجوا؟" حتى بين له مولاه عكرمة بحسن استنباط قرآني أن الفرقة الثالثة نجت؛ لأن الله إنما أهلك الظالمين، والساكتون لم يفعلوا المعصية ولم يظلموا وإنما تركوا النهي كرهاً للمعصية ويأساً من القوم، فسكت الله عنهم؛ ففرح ابن عباس فرحاً شديداً وكسى عكرمة حلة لسروره بتفريجه عنه.
والمعنى: فلما أصر العاصون وتناسوا المواعظ وأعرضوا عنها إعراض الناسي المستخف، نزل قضاء الله الفاصل: فنجى الله الذين كانوا ينهون عن السوء علناً وجهاداً، وعاقب الظالمين بعذاب بئيس شديد قاصم وهو المسخ بالرجز.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 498)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٤٩٨: يؤكد ابن كثير أن هذه سنة إلهية ثابتة لا تتبدل: إذا نزل العذاب بالأمة نجا الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؛ كما قال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103].
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 333)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٣٣: يوضح القرطبي أن العذاب البئيس هو العذاب الشديد المكروه المبتئس منه، وهو المسخ قروداً وخنازير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{نَسُوا}: النسيان هنا الترك العمدي والإعراض؛ لأنهم ذكروا مراراً فلم يجهلوا وإنما تركوا العمل به.
{بَئِيسٍ}: فَعِيل من البأس، وهو الشديد ذو البأس والمشقة والألم البالغ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني الصارم في إعلان الجزاء: لما كان النسيان والإعراض كاملاً ترتبت النتيجة المزدوجة:
{أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ}: نص صريح على نجاتهم وتكريمهم.
{وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}: نص صريح على إهلاك المعتدين الفاسقين.
تخصيص النجاة بوصف {يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ}: للدلالة على أن صفة النهي عن المنكر هي سبب النجاة والدرع الحامي للأفراد والأمم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: ما هو مصير الطائفة الثالثة الساكتة التي قالت: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا}، ولماذا سكت القرآن عن ذكر نجاتهم أو هلاكهم؟
الدفع والمحاكمة العقلية عند المحققين:
سكت القرآن عنهم لأنهم لم يستحقوا شرف الثناء والتنويه بالنجاة كالفرقة الناهية التي جاهدت وأمرت ونهت، ولم يستحقوا شناعة الذكر في الهلاك كالفرقة المعتدية التي باشرت الفسق؛ والجمهور على أنهم نجوا من العذاب الحسي (المسخ) لأنهم لم يرتكبوا المعصية وبغضوها، ولكنهم خسروا أجر الجهاد والنهي؛ وفي هذا أعظم درس تربوي: أن الساكت عن المنكر وإن نجا من العقوبة الدنيوية فإنه يسقط من سجل الشرف والكرامة الإلهية ولا ينال ثواب المصلحين الأخيار.
إطلاق {نَسُوا} على الإعراض العمدي: استعارة تصريحية؛ لأن المعرض عن الوحي بتكاسل وهوى ينزل منزلة من نسي وعزب عن عقله الدليل، وهو ذم شنيع لتضييع الفرص.
تنوع القراءات في {بَئِيسٍ}: يثري المعنى البياني ويعكس بشاعة العذاب وهوله وشدة وقعه على أجساد ونفوس المجرمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
النهي عن المنكر صمام أمان الأمة: من أراد النجاة لنفسه ولمجتمعه عند نزول الفتن والعقوبات فليكن في صف الناهين عن السوء الآمرين بالمعروف.
لا يكفي الصلاح الذاتي؛ فالصالح الساكت قد يسلم من العقاب البدني ولكنه يخسر المقامات العالية؛ والمصلح الإيجابي هو الذي يستحق النجاة التامة والرفعة في الدارين.