تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 270)جامع البيانالطبري١٣/٢٧٠: يقرر الطبري عقيدة أهل السنة والجماعة في القدر من خلال هذه الآية؛ فمن وفقه الله للإيمان وبصر قلبه بالهدى فهو المهتدي حقاً الذي نال الفلاح والنجاة في الدارين، {وَمَن يُضْلِلْ} فيخذله بعدله ويكله إلى نفسه وهواه بسبب فساد اختياره وإعراضه، {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الذين خسروا أنفسهم وأهليهم وأضاعوا رأس مالهم في الآخرة؛ فالأمر كله بيد الله هداية وتوفيقاً، خذلاناً وعدلاً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 515)تفسير القرآن العظيمابن كثير٣/٥١٥: يوضح ابن كثير أن الهداية منحة إلهية وفضل محض، والإضلال عدل إلهي فيمن لم يزكِ نفسه وآثر الهوى على الهدى؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5].
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 358)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٥٨: يبين القرطبي أن الآية ترد على القدرية والمعتزلة وتثبت أن التوفيق للهداية وخلق الإيمان فعل الله وفضله، وأن الخذلان والإضلال بيده وقدره سبحانه وتعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْمُهْتَدِي}: اسم فاعل من اهتدى، وهو الذي سلك طريق الحق واستقام عليه ونال الهداية التامة.
{الْخَاسِرُونَ}: الذين غبنوا في صفقة أعمارهم وحصلوا على الهلاك الأبدي.
الإعراب والتركيب:
{مَن}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لـ (يهد).
{يَهْدِ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الياء).
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فَهُوَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، (هو) ضمير منفصل مبتدأ.
{الْمُهْتَدِي}: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
{وَمَن}: الواو عاطفة، اسم شرط جازم مفعول به مقدم لـ (يضلل).
{يُضْلِلْ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره هو.
{فَأُولَٰئِكَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، اسم إشارة مبتدأ.
{هُمُ}: ضمير فصل لا محل له أو مبتدأ ثانٍ.
{الْخَاسِرُونَ}: خبر أولئك (أو خبر هم)، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر {الْمُهْتَدِي} بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً.
وقرأ ابن كثير ورويس بإثبات الياء وصلاً ووقفاً {الْمُهْتَدِي}.
وقرأ الباقون (ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي، خلف العاشر، روح) بحذف الياء وصلاً ووقفاً مع كسر الدال {الْمُهْتَدِ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني يقسم المصائر تقسيماً حاسماً:
مع الهدى: أفرد اللفظ {فَهُوَ الْمُهْتَدِي}؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وطريق الهداية صراط مستقيم واحد يجمع كل أتباعه على قلب رجل واحد.
مع الضلال: جمع اللفظ {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}؛ لأن سبل الضلال والغي متشعبة متعددة متفرقة، وأهل الباطل متنازعون في أهوائهم، فجاء الجمع للدلالة على كثرتهم وتنوع دركات خسرانهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: إذا كان الله هو الذي يضل من يشاء، فكيف يعاقب الضالين على ضلال لم يختره؟
الدفع والمحاكمة العقلية والعقدية عند أهل السنة والجماعة:
إضلال الله للعبد ليس ظلماً ولا إكراهاً له على المعصية؛ بل هو سلبٌ للتوفيق وخليّةٌ بين العبد وبين نفسه وهواه جزاءً على إعراضه واستكباره وسوء اختياره؛ فالله تعالى بسط الهداية وأقام الحجج ووضح السبيلين؛ فمن اختار الحق وفقه الله وثبته فضلاً منه ورحمة، ومن اختار الباطل وأصر على العناد وكذب بالآيات وكله الله إلى نفسه وخلى بينه وبين غوايته عدلاً منه وحكمة؛ فالضال إنما ضل بمحض إرادته واختياره الإنساني، وعقابه إنما هو على كسبه وعمله الخبيث: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
تعريف {الْمُهْتَدِي} بأل والحصر بضمير الفصل: يفيد كمال الهداية وثبوتها التام لصاحبها؛ فلا اهتداء حقيقياً في الكون إلا بهداية الله وتوفيقه.
استعمال اسم الإشارة الدال على البعد {فَأُولَٰئِكَ} مع أهل الضلال: للدلالة على انحطاط رتبتهم وبعدهم السحيق عن منازل الهداية والكرامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الافتقار الدائم إلى هداية الله: لا يتكل المؤمن على ذكائه ولا على علمه، بل يظل يلهج بالدعاء: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، طالباً الهداية في كل ركعة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.
الشفقة على الضالين ومحاولة استنقاذهم: الضال خاسر مغبون يحتاج إلى نصح وبيان لإيقاظ قلبه قبل فوات الأوان.