وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ نافع ﴿إِنِّي قَدْ جِئْتُكُم﴾ و﴿إِنِّي أَخْلُقُ﴾ بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف بتقدير القول (أي قال: إني قد جئتكم). وقرأ الباقون ﴿أَنِّي﴾ بفتح الهمزة فيهما على أنها بدل من ﴿بِآيَةٍ﴾ أو في موضع نصب أو جر بالباء المحذوفة أي: بأن جئتكم، وبأني أخلق لكم، وكلتا القراءتين تثبتان المعنى؛ فالكسر حكاية للفظ مقال عيسى المباشر، والفتح تعليل وتفسير للآية والبرهان (معاني القراءات للأزهري، مركز البحوث العلمية، ج١، ص٢٣٠)مصدر غير محدد١/٢٣٠.
قرأ المدنيان ويعقوب ﴿طَائِرًا﴾ في الموضعين، وقرأ الباقون ﴿طَيْرًا﴾، والطير اسم جمع أو جمع لطائر مثل ركب وراكب وشرب وشارب، والمعنى متطابق في إثبات خلق هذا الجنس من الطيور الحية الطائرة.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بعث الله عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل في زمن شاع فيه علم الطب والتشريح بين أطباء اليونان واليهود، فآتاه الله من المعجزات ما بهرهم في جنس ما برعوا فيه وعجزت عنه أسبابهم الطبية، كشفاء الأمراض المستعصية وإحياء الموتى وخلق هيئة الطير بنفخة فيها الروح بإذن الله.
أخرج ابن أبي حاتم (ج٢، ص٦١٥)مصدر غير محدد٢/٦١٥ عن وهب بن منبه ومجاهد قالا: "كان عيسى عليه السلام إذا سألوه برهاناً أخذ طيناً فصوره كهيئة الخفاش ثم نفخ فيه فإذا هو يطير عياناً بين السماء والأرض بإذن الله، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الرب الصانع القديم من الخارق الذي يجريه على يد العبد بإذنه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بني إسرائيل
أولاد يعقوب عليه السلام وقبائلهم الاثنتا عشرة، وتخصيصهم بالرسالة يدل على خصوصية بعثة عيسى وأنها لم تكن عامة لكافة البشر كرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
الآية
العلامة والدلالة القاطعة المعجزة الدالة على صدق النبوة.
أخلق
الخلق في أصل اللغة هو التقدير والتشكيل، أي: أقدّر وأصوّر من الطين شكلاً على هيئة الطير.
كهيئة الطير
الهيئة هي الصورة والشكل الخارجي والصفة.
فأنفخ فيه
إيصال الهواء من الفم بنَفَس مجرد، فتحل فيه الروح والحياة بقدرة الله.
الأكمه
الذي ولد أعمى لا بصر له خلقة، وقيل: هو الأعمى الذي لا علاج لعينيه أصلاً، وهذا أبلغ في الإعجاز لأن الأطباء قد يعالجون العارض الطارئ لكنهم يقفون عاجزين كلياً عن رد البصر لمن ولد ممسوح العين.
الأبرص
المصاب بداء البرص، وهو بياض شديد يظهر في الجلد لفساد المزاج، وكان داؤه مستعصياً لا دواء له عند أطباء زمانهم.
أحيي الموتى
أخرجهم من القبور أحياء ينطقون ويسعون بعد الموت التام.
بإذن الله
قيد توحيدي جليل تكرر مرتين لدفع أي توهم للشراكة أو القدرة الذاتية المستقلة، أي: بمشيئة الله وتكوينه وتمكينه وأمره.
تدخرون
من الادخار وهو حبس الشيء وتخبئته للانتفاع به في المستقبل وأصله "تذتخرون" أبدلت التاء دالاً وأدغمت الذال فيها.
وَرَسُولًا
مفعول به لفعل محذوف تقديره (ونجعله رسولاً)، أو حال منصوبة معطوفة على "وجيهاً".
إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ
جار ومجرور متعلقان برسولاً، وإسرائيل مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
أن واسمها وخبرها، وجملة قد جئتكم في محل رفع خبر أن، ومن ربكم جار ومجرور في محل جر نعت لـ "آية".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج المعجزات من الأدنى إلى الأعلى بصورة مبهرة:
١. التشكيل الصوري للطين والنفخ فيه ليتحول إلى طير حي يطير.
٢. إبراء الأمراض العضوية المستعصية المزمنة في الأحياء كالأكمه والأبرص.
٣. إحياء من فارقته الحياة وواراه التراب؛ وهو نقض الموت بالكلية.
٤. الإنباء بالغيب النسبي الحاضر المستور في البيوت من المآكل والمدخرات.
وهذا الترتيب يأخذ بالعقول في مراقي التسليم بأن القادر على هذه الخوارق ليس إلا الله الواحد الأحد، وأن عيسى ليس إلا آلة ومظهراً لإرادة ربه التامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعلق النصارى بلفظ "أخلق" و"أحيي الموتى" لإثبات لاهوت المسيح:
يجادل النصارى بأن الخلق وإحياء الموتى من خصائص الربوبية التي لا يشارك فيها أحد، وبما أن عيسى خلق وأحيا فهو إله مع الله!
المحاكمة العقلية والتفنيد الصارم:
١. الخلق المنسوب لعيسى هنا هو الخلق اللغوي؛ أي التقدير والتشكيل المجرد للصورة من مادة سابقة موجودة هي (الطين)، وليس هو الخلق الإبداعي الإيجادي من العدم الذي ينفرد به الله تعالى، ولهذا قال: ﴿مِّنَ الطِّينِ﴾؛ فلو كان إلهاً لخلق كائناً من غير مادة أرضية مخلوقة قبله.
٢. تكرار قوله ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ مرتين في الآية هادم للشبهة من جذورها؛ فالإذن الإلهي ينفي القدرة الذاتية المستقلة، ويصرح بأن عيسى لا يملك من أمره شيئاً إلا ما أذن الله له فيه وأجراه على يديه تكريماً له وإظهاراً لصدق رسالته.
٣. لو كان إحياء الموتى دليلاً على الألوهية لكان عصا موسى التي انقلبت حية تسعى وتلقف ما يأفكون دليلاً على ألوهية موسى، ولكان إحياء القتيل بضربة من بعض أجزاء البقرة دليلاً على ألوهية البقرة! وهذا باطل باتفاق العقلاء، بل المعجزة فعل الله أظهره تصديقاً لنبيه (مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج٤، ص٣٢٠-٣٢٥؛ درء تعارض العقل والنقل، ج٥، ص١١٢).
تكرار ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ احتراس عقدي بلاغي فائق الروعة، كُرر عند النفخ في الطين وكُرر عند إحياء الموتى؛ لأنهما الموضعان اللذان قد تزل فيهما الأفهام بتوهم الألوهية، فجاء القيد مانعاً قاطعاً لكل شبهة وتأليه باطل.
المقابلة بين الغيب الحاضر المشهود في بيوتهم ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ وبين الغيوب الكبرى، لإحراج نفوسهم الجاحدة ببيان علمه بأخص ما يخفونه خلف جدرانهم المغلقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
مراعاة مقتضى الحال وبيئة المدعوين؛ فالحجة النبوية تصيب كبد الحقيقة حين تخاطب ما يبرع فيه القوم لتعجزهم من جنس ما يألفون.
أن المعجزات والخوارق ليست غاية في ذاتها، بل هي أدلة وبراهين لهداية النفوس وتقوية الإيمان ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
الوجدان الإيماني:
إخلاص التوحيد ونفي الشرك بشتى صوره؛ فكل آية وعجيبة في هذا الكون مصدرها إذن الله وأمره، فيعلق العبد قلبه برب الأسباب لا بالأسباب وحدها.