اتفق القراء العشرة على فتح نون ﴿نَتْلُوهُ﴾ على نون العظمة الإلهية، وسكون التاء وضم اللام، وكسر كاف ﴿الْحَكِيمِ﴾ نعتاً للذكر المجرور بحرف الجر (الإقناع في القراءات السبع لابن الباذش، دار الصحابة، ج١، ص٢٩٥)مصدر غير محدد١/٢٩٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزل هذا التعقيب الرباني الجليل عقب الفراغ من قصة زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام، ليوجه الخطاب مباشرة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مؤكداً أن هذه الأخبار الغيبية المفصلة الدقيقة لم تكن من عنده ولا من تعلمه من أحبار اليهود أو رهبان النصارى، بل هي وحي يتلى عليه من لدن حكيم عليم.
أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس والسدي قالا: "﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هذا الذي قصصنا عليك من أمر عيسى وأمه هو الحق المعجز المبرأ من الكذب والزيادة والنقصان، لتقوم به الحجة القاطعة على وفد نجران وسائر الخلق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ذلك
اسم إشارة للبعيد، واستعماله هنا للإشعار بعلو شأن المشار إليه وبعد منزلته وفخامة مضمونه.
نتلوه عليك
التلاوة هي القراءة المتتابعة المترسلة بصوت وبيان، ونسبتها إلى الله على جهة الأمر والإنزال بواسطة الروح الأمين جبريل عليه السلام.
الآيات
الدلائل والبراهين المعجزة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن.
الذكر
القرآن العظيم، وسُمي ذكراً لأنه يذكّر العباد بما رُكّب في فطرهم من التوحيد وما نسوه من أحكام ربهم، ولأنه شرف ورفعة لمن تمسك به: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤].
الحكيم
إما فعيل بمعنى مُفْعَل أي: المُحْكَم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو بمعنى ذي الحكمة البالغة وفصل الخطاب.
ذَٰلِكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
نَتْلُوهُ عَلَيْكَ
نتلو فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن للتعظيم، والهاء مفعول به، وعليك متعلقان بنتلوه، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (ذلك).
مِنَ الْآيَاتِ
جار ومجرور في محل نصب حال من الهاء في نتلوه، أو خبر ثانٍ لاسم الإشارة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص فصل خطابي تحويلي فاخر: بعد أن انتهى المشهد القصصي ببيان مصير عيسى ورفعه ومصير أتباعه وأعدائه، نقل القرآن أسلوب الخطاب من الحكاية الماضية إلى التقرير الحاضر؛ فالتفت إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليربط هذه الحقائق الغيبية بواقع الدعوة والمحاجة القائمة في المدينة المنورة، وليشد من أزره في مواجهة جدل أهل الكتاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة افتراء المستشرقين في ادعاء اقتباس النبي صلى الله عليه وسلم لأخبار عيسى من كتب أهل الكتاب أو الرهبان:
زعم بعض الطاعنين أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع هذه القصص من بحيرا الراهب أو قس بن ساعدة أو ورقة بن نوفل!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. إن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ أمياً بين قوم أميين في مكة، لم يجالس علماء ولم يقرأ كتاباً، ولم يسافر إلا رحلة عابرة في صباه للتجارة لم تتعد ساعات، فمن أين له هذا التفصيل الدقيق المبرأ من خرافات الأناجيل المنحولة والمخالف لتحريفات الأناجيل المعترف بها عندهم؟!
٢. القرآن في هذه القصة جاء بتصحيح جذري لعقائد الطرفين: طهر مريم وعيسى من بهتان اليهود وفجرهم، وطهرهما من شرك النصارى وغلوهم؛ ومثل هذا الحكم التام المهيمن لا يمكن عقلاً أن يصدر عن اقتباس وتلقين، بل هو تلاوة من لدن عليم خبير: ﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز، دار القلم، ص٤٥-٦٠)مصدر غير محدد٤٥.