أجمع القراء العشرة على قراءة ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ بضم الميم وفتح التاء وكسر الواو وتشديد الفاء المكسورة اسم فاعل من توفى يتوفى مضافاً إلى الكاف، و﴿وَرَافِعُكَ﴾ اسم فاعل مضاف، و﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ اسم فاعل مضاف، و﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بإضافة اسم الفاعل (جاعل) إلى الموصول، ونصب الظرف (فوق) (التيسير للداني، ص٨٦)مصدر غير محدد٨٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت هذه الآية بياناً لكيفية نجاة عيسى عليه السلام وإحباط مكر أعدائه من اليهود الذين سعوا في صلبه، وبشارة له برفعه وتطهيره من رجسهم ودنسهم، وبقاء أتباعه المؤمنين ظاهرين على أعدائه.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٤١٥)مصدر غير محدد٥/٤١٥ وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك (ج٢، ص٥٩٤)مصدر غير محدد٢/٥٩٤ وصححه ووافقه الذهبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال: "رافعك إليّ ثم متوفيك في آخر الزمان بعد نزولك".
وأخرج الطبري عن وهب بن منبه والحسن البصري وقتادة قالوا: "الوفاة هنا وفاة النوم؛ أي: منيمك ورافعك إلي وأنت نائم كي لا يلحقك خوف ولا فزع من أعدائك، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]".
وروى الطبري أيضاً عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "معنى متوفيك: قابضك وافياً تاماً بروحه وجسده من غير أن ينالك الكفار بسوء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
التوفي: في لسان العرب مأخوذ من الاستيفاء؛ وهو أخذ الشيء كاملاً غير منقوص (يقال: توفيت مالي من فلان أي استوفيته تاماً). وتطلق الوفاة في الاستعمال القرآني على ثلاثة معانٍ:
١. الموت الحقيقي بانفصال الروح عن الجسد، كقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١].
٢. النوم، كقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
٣. القبض التام والاستيفاء بالرفع حياً دون موت حسي، وهو المراد هنا بدلالة السياق والجمع بين النصوص القرآنية الصريحة النافية للقتل والصلب في سورة النساء ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ... بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧-١٥٨].
رافعك إليّ: الرفع هو النقل إلى مكان عليّ شريف، و"إليّ" إضافة تشريف وتعظيم؛ أي إلى مقر كرامتي وعالم ملائكتي المقربين في السماوات العلا، إذ لا يحد الله مكان سبحانه وتعالى عن التحيز والحدود.
مطهرك من الذين كفروا: التطهير هو التخليص والتنزيه من مخالطتهم، والإنقاذ من كيدهم وتلويثهم لجسده الطاهر بالصلب والتعذيب، وتنزيهه عما نسبوه إليه من الفرية والبهتان.
وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا: الفوقية هنا فوقية الحجة والبرهان والغلبة والتمكين إلى يوم القيامة؛ فالذين اتبعوا عيسى بالحقيقة وهم المسلمون، ومن اتبعوا شريعته قبل التحريف ظاهرون بالحجة والقدر، وحتى النصارى الذين ينتسبون إليه مكن لهم في الأرض وقهروا اليهود الذين كفروا به.
الإعراب والتركيب:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾: إذ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره "واذكر"، أو بمكر الله في الآية السابقة.
﴿يَا عِيسَىٰ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم المقدر في محل نصب.
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: إن واسمها، ومتوفيك خبرها مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله.
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أسماء فاعلين معطوفة على خبر إن، وإليّ متعلق برافعك، ومن الذين متعلق بمطهرك، وجملة كفروا صلة الموصول.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: معطوف، والذين مفعول به أول لجاعل، واتبعوك صلته، وفوق ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لجاعل، أو متعلق بحال، وإلى يوم القيامة متعلق بجاعل أو بمحذوف الاستقرار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت الآية تفسيراً تفصيلياً لما أجمله الله في الآية السابقة: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ فبين سبحانه كيف كان مكره الإلهي الحكيم بخلاص عيسى عليه السلام: ناداه ربه مطمئناً قلبه بأربع بشارات كبرى متتالية:
١. استيفاء أجله وحفظه التام ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾.
٢. رفعه بجسده وروحه إلى السماء ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾.
٣. تطهيره ونجاته من رجس أعدائه ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
٤. علو أتباعه وغلبة دينه وأنصاره على أعدائه الكافرين إلى يوم البعث ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة دعوى صلب المسيح وموته الحسي بالوفاة في الآية:
تمسك النصارى وبعض الملاحدة بلفظ ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ ليزعموا أن القرآن يقر بموت المسيح مصلوباً على أيدي أعدائه، وتناقضه مع آية النساء ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾!
المحاكمة العقلية والتفنيد الصارم لأهل السنة والجماعة:
١. دلالة لغة العرب: الواو في قوله ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ لمطلق الجمع والاشتراك ولا تفيد الترتيب والتعقيب بإجماع أئمة النحو واللغة؛ فيجوز أن يكون المعنى: "رافعك إليّ الآن، ومتوفيك بعد ذلك حين تنزل في آخر الزمان فتلبث أربعين سنة ثم تتوفى ويصلي عليك المسلمون"، كما صح في الأحاديث المتواترة.
٢. تفسير التوفي بالنوم: فالنوم وفاة بنص القرآن، والله أنامه ورفعه نائماً صيانة له من الوحشة وخوف الرفع المعجز؛ وإذا احتمل اللفظ معنى متسقاً مع قواطع النصوص بطل الاستدلال بالمتشابه.
٣. التوفي بمعنى الاستيفاء التام: أي مستوفي أجلك ورافعك تاماً كاملاً لم ينقص من بدنك ولا روحك شيء، فلم يصلوا إلى قتلك ولا قطع أطرافك بالصلب؛ فكل هذه التوجيهات مؤيدة بالنص القرآني القطعي المحكم في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧-١٥٨]، والواجب رد المتشابه المحتمل إلى المحكم الصريح (درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ج٢، ص٤٠٥؛ تفسير الطبري، ج٥، ص٤٢٠؛ فتح الباري لابن حجر، دار المعرفة، ج٦، ص٤٩٠).
التعبير بأسماء الفاعلين ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾، ﴿وَرَافِعُكَ﴾، ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾، ﴿وَجَاعِلُ﴾ لإفادة ثبوت هذه الأفعال وتحقق وقوعها كأنها كائنة واقعة لا محالة، لأن ما وعد الله به فهو كالمتحقق المشهود.
الالتفات البديع من الخطاب الفردي لعيسى ﴿يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ...﴾ إلى الجمع الحاكم ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ ليشمل عيسى والحواريين وأعداءهم اليهود والنصارى جميعاً في مشهد الحساب الأخروي الفاصل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
كرامة أولياء الله ودعاته المخلصين عند ربهم؛ فالباطل قد يملك أدوات القوة والبطش الدنيوي، لكن الله يحمي دعاته ويحفظ رسالته ويطهرهم من دنس الفجار.
أن العاقبة للمتقين وأتباع الأنبياء الحقيقيين؛ فالتاريخ شاهد على زوال دول الظلم واندحار الطغاة وبقاء كلمة التوحيد مرفوعة.
الوجدان الإيماني:
ثقة المؤمن بالمرجع الأخروي العادل؛ فكل مظلمة وخلاف سيفصل فيه الملك العدل يوم القيامة، فيطمئن قلب المظلوم ويعلم أن حقه لن يضيع.