أجمع القراء العشرة على فتح همزة ونون مشددة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوفة على المجرور بالباء أو مفعولاً من أجله، وكسر باء الجر الزائدة في خبر ليس ﴿بِظَلَّامٍ﴾ وتنوين الميم بالكسر، وكسر لام ﴿لِّلْعَبِيدِ﴾ (إعراب القرآن للدرويش، ج٢، ص١١٠)مصدر غير محدد٢/١١٠.
سياق الأثر:
بيان لعدل الله التام والمطلق؛ وأن هذا العذاب والنكال الذي يصيب الكافرين ليس ظلماً من الله لهم، بل هو الجزاء العادل على كفرهم وتجديفهم وقتلهم الأنبياء واكتسابهم للآثام.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٧٢)مصدر غير محدد٥/٩٧٢ عن قتادة ومجاهد قالا: "أي يقال لهم ذلك يوم القيامة تقريعاً وتوبيخاً: هذا العذاب إنما هو بكسب أيديكم وجنايتكم على أنفسكم، والله لا يعاقب أحداً بذنب غيره، ولا يعاقب إلا بعد قيام الحجة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ذلك
إشارة إلى عذاب الحريق المذكور في الآية السابقة.
بما قدمت أيديكم
الباء للسببية؛ وأسند التقديم إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تقع باليد فغُلبت على سائر الجوارح.
ليس بظلام للعبيد
ظلام صيغة مبالغة على وزن فعّال؛ والمراد نفي أدنى ذرة من الظلم بالكلية؛ أي ليس بذي ظلم قط لعباده.
ذَٰلِكَ
ذا اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب، وخبره محذوف تقديره (الجزاء ذلك) أو العكس.
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
الباء حرف جر سببية، ما مصدرية (أو موصولة)، قدمت ماض والتاء للتأنيث، أيديكم فاعل والكاف مضاف إليه، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بالخبر المحذوف.
وَأَنَّ اللَّهَ
الواو عاطفة، أن حرف توكيد ونصب، لفظ الجلالة اسمها.
لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
ليس فعل ماض ناقص واسمها مستتر يعود على لفظ الجلالة، الباء حرف جر زائد للتوكيد، ظلام مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ليس، للعبيد جار ومجرور متعلق بظلام، والجملة في محل رفع خبر أن، والمصدر المؤول معطوف على (ما قدمت أيديكم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نُظم هذا النص كإعلان قضائي أخروي قطعي العدالة؛ فبعد أن قال لهم: (ذوقوا عذاب الحريق)، قطع كل حجة أو احتجاج قد يتذرع به معذب في النار، فبيّن علة العذاب الحقيقية: (بما قدمت أيديكم)؛ فالنار ثمرة طبيعية لما زرعوه في الدنيا من كفر واعتداء، والله تعالى منزه في كمال ربوبيته عن أن يظلم أحداً من خلقه، بل هو العدل المطلق الذي يضع الأمور في مواضعها الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة صيغة المبالغة (ظلاّم) ومفهوم المخالفة:
قد يثير ملحد أو صاحب شبهة إشكالاً لغوياً: (ظلام) صيغة مبالغة تفيد كثرة الظلم، فهل نفي الكثرة يقتضي ثبوت أصل الظلم القليل؟!
والرد اللغوي والعقلي الراسخ:
أولاً: صيغة (فعّال) في اللغة تأتي للنسبة المحضة المجردة عن المبالغة، كـ (بزاز، وحداد، ونجار)؛ أي ليس بذي ظلم قط.
ثانياً: إنما ناسب إيراد صيغة المبالغة (ظلام) هنا لمقابلة الجمع العظيم وهو (العبيد)؛ فلو عذب الله تعالى هؤلاء العبيد جميعاً بغير ذنب لكان ذلك ظلماً عظيماً مفرطاً في الكثرة، فنفى الكثرة لبيان نزاهته التامة عن أدنى ظلم لواحد من مليارات العبيد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (تفسير القرطبي، ج٤، ص٢٥٦؛ درء تعارض العقل والنقل، ج٨، ص١٤٥).