أجمع القراء العشرة على كسر هاء ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ ماضياً من العهد، ونصب ﴿نُؤْمِنَ﴾ بأن المصدرية، ونصب نون ﴿يَأْتِيَنَا﴾ بعد حتى، وإسكان راء ﴿بِقُرْبَانٍ﴾ وتنوينها، وضم كاف وهاء ﴿تَأْكُلُهُ﴾ والهاء مفعول به والنار فاعل، وحذف ألف ﴿فَلِمَ﴾ في الاستفهام وجوباً بعد حرف الجر (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٤)مصدر غير محدد٢/٢٥٤.
أسباب النزول وسياق الأثر:
افتراء جديد وسفسطة يهودية لتعطيل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتنصل من الإيمان به؛ حيث جاء كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وفنحاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: "يا محمد، تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وإن الله عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار من السماء، فإن جئتنا به آمنا بك!".
فأمر الله نبيه أن يفحمهم بالحجة التاريخية القاطعة: قل قد جاءكم رسل من قبلي من أنبياء بني إسرائيل بتلك المعجزة التي طلبتموها فكذبتموهم وقتلتموهم، فكيف تزعمون أنكم تؤمنون بالمعجزة؟!
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٧٥)مصدر غير محدد٥/٩٧٥ عن السدي وابن عباس ومجاهد قالوا: "نزلت في يهود المدينة حين اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزول نار من السماء تأكل القربان علامة على صدقه كعادتهم في أنبياء بني إسرائيل القدماء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عهد إلينا
أوصانا وأمرنا وأخذ علينا الميثاق في التوراة.
القربان
ما يُتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو طعام أو صدقة، ونزول نار بيضاء من السماء تأكل القربان كان علامة قبول القربان في شرائع بني إسرائيل كقصة هابيل وقابيل وقصص أنبيائهم.
البيّنات
الحجج والمعجزات الساطعة الواضحة الدالة على صدق الرسل.
الَّذِينَ قَالُوا
اسم موصول في محل جر بدل من (الذين قالوا إن الله فقير) أو نعت له (أو مبتدأ).
إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا
إن واسمها وجملة عهد خبرها مقول القول، إلينا متعلق بعهد.
أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ
أن مصدرية ناصبة، لا نافية، نؤمن مضارع منصوب والفاعل نحن، لرسول متعلق بنؤمن، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف متعلق بعهد؛ أي بأن لا نؤمن.
حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ
حتى حرف غاية ونصب، يأتينا مضارع منصوب والفاعل مستتر ونا مفعول، بقربان متعلق بيأتينا.
تَأْكُلُهُ النَّارُ
تأكله مضارع والهاء مفعول مقدم، النار فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر نعت لـ (قربان).
قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي
قل أمر وفاعله مستتر، قد حرف تحقيق، جاءكم ماض ومفعول، رسل فاعل، من قبلي نعت لرسل، والجملة مقول القول.
بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
بالبينات متعلق بمحذوف حال من رسل، وبالذي معطوف عليه (وهو القربان الذي تأكله النار)، قلتم صلة الذي.
فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ
الفاء فصيحة، اللام جارة، ما اسم استفهام حذفت ألفه وجوباً في محل جر متعلق بقتلتموهم، قتلتموهم ماض وفاعله ومفعولاه.
إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
إن شرطية، كنتم ناقص واسمه، صادقين خبرها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي إن كنتم صادقين في أنكم تطلبون الحق وتؤمنون لمن جاء بالقربان فلماذا قتلتم من جاء به؟!
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إفحام عقلي وحجاجي معجز يسقط تعنت يهود ومكرهم بحركة برهانية واحدة؛ فهم أرادوا إحراج النبي صلى الله عليه وسلم باقتراح معجزة خاصة زعموا أنهم لا يؤمنون إلا بها. فكشف القرآن تناقضهم وكذبهم التاريخي: إذا كانت علة إيمانكم هي مجيء الرسول بالقربان الذي تأكله النار، فقد جاءكم أنبياء سابقون كزكريا ويحيى وغيرهم بهذه المعجزة عينها، فماذا كان موقفكم منهم؟ لم تؤمنوا بهم، بل كذبتموهم وقتلتموهم ذبحاً ونشراً بالمناشير! فثبت أن طلبكم مجرد عناد وتعنت وتسويف، وأن الكفر متأصل في طباعكم لا تدفعه الآيات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان العقلي على صحة نسبة أفعال الأسلاف للأخلاف في قوله ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾:
قد يثير مشكك إشكالاً: القتلة هم الأسلاف الماضون، فكيف يوجه الخطاب لليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم: (فلم قتلتموهم) وهم لم يباشروا القتل بأيديهم؟
والتحقيق الفلسفي والأصولي: أن الأمة المتعاقبة على منهج واحد والراضية بجرائم سلفها تشترك معهم في الوزر حكماً وواقعاً؛ فيهود المدينة كانوا يعظمون أولئك الأسلاف القتلة ويوالونهم ويبررون أفعالهم ويسيرون على نهجهم في محاربة الأنبياء وتكذيبهم. فالراضي بالذنب كفاعله وشريكه في الجريمة؛ ولذلك ألزمهم القرآن الحجة التاريخية وأسقط تباكيهم على المعجزات (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٩٧٨؛ مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٢٥).