نزلت رداً على شبهة ماكرة أثارها يهود المدينة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم، وإبراهيم لم يكن يأكل لحوم الإبل ولا يشرب ألبانها، وأنت تأكلها وتستحلها، فكيف تكون على ملته؟!
أخرج الإمام أحمد في مسنده (رقم: ٢٤٨٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٨٣ والترمذي وحسنه (رقم: ٣١١٧)مصدر غير محددحديث رقم ٣١١٧ والنسائي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث مجيء وفد اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسؤالهم إياه عن خمس خصال، وفيه: "قالوا: أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: اشتكى عِرق النَّسا، ولم يجد شيئاً يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها، فلما شفاه الله حرمها شكراً لله، قالوا: صدقت!".
فأنزل الله هذه الآية داحضةً لكذبهم ومبينةً أن تحريم لحوم الإبل وألبانها لم يكن في شريعة إبراهيم ولا في أصل التوراة، بل كان نذراً قطعه يعقوب (وهو إسرائيل) على نفسه قبل نزول التوراة بأجيال، ثم حرم الله عليهم طيبات أخرى عقوبة لبغيهم، فبهتوا وانقطعت حجتهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كل الطعام كان حلاً
الحل هو المباح ضد الحرام، والمراد أن جميع الأطعمة الطيبة كانت مباحة حلالاً لبني إسرائيل في ملة إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
إسرائيل
هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه في العبرانية: عبد الله أو صفوة الله.
حرم إسرائيل على نفسه
نذر تقرب به إلى الله حين أصابه عرق النسا فنذر لئن شفاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه (لحوم الإبل وألبانها).
من قبل أن تنزل التوراة
حقيقة تاريخية تفصل بين الشريعة العامة لإبراهيم وبين ما نزل في التوراة بعد ذلك بقرون.
قل فأتوا بالتوراة فاتلوها
تحدٍ علني مفحم لأحبارهم بإخراج كتابهم وقراءته على الملأ.
كُلُّ الطَّعَامِ
كل مبتدأ مرفوع، والطعام مضاف إليه مجرور.
كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ
كان فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على كل الطعام، حلاً خبرها منصوب، ولبني جار ومجرور متعلقان بحلاً، وإسرائيل مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة كان خبر المبتدأ (كل).
إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ
إلا أداة استثناء، ما اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء، حرم إسرائيل فعل وفاعل صلته، وعلى نفسه متعلقان بحرم.
مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ
من قبل متعلقان بحرم، وأن مصدرية، تنزل مضارع مبني للمجهول، التوراة نائب فاعل مرفوع بضمة مقدرة، والمصدر المؤول مضاف إليه.
قل أمر، الفاء فصيحة، أتوا أمر وفاعله، بالتوراة متعلقان بأتوا، فاتلوها عاطفة وفعل ومفعول به، إن شرطية وكنتم اسمها وصادقين خبرها وجواب الشرط محذوف تقديره (فأتوا بها).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك عبقري لشبهات الخصوم: انتقل القرآن من مناظرتهم في العقائد والأنبياء إلى مناظرتهم في "فروع التشريع والتاريخ الغذائي"؛ فكشف زيف ادعائهم أن تحريم الإبل كان قديماً في دين إبراهيم، وأثبت أن أصل الشريعة هو الإباحة، وأن التضييق والتحريم نشأ أولاً عن نذر يعقوب لنفسه، ثم عن عقوبة إلهية حلت ببني إسرائيل لظلمهم. ثم تحداهم في عقر دارهم ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾، فامتنعوا ونكلوا عن إخراج التوراة لعلمهم أن نصها يفضح كذبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة دعوى أبدية الشريعة وامتناع النسخ في المحرمات الغذائية:
احتج اليهود بأن ما حرم عليهم لا يمكن أن يحله نبي بعدهم، زاعمين أن محمداً صلى الله عليه وسلم خالف الأنبياء بإحلاله ما كان محرماً!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. تاريخ التشريع نفسه يبطل دعواهم؛ فإن كان تحريم لحوم الإبل حكماً قديماً فكيف أحلها إبراهيم وإسماعيل ويعقوب قبل النذر؟! فاليهود يعترفون أن يعقوب هو الذي حرمها على نفسه، فدل ذلك على أنها كانت حلالاً قبله، وهذا عين إثبات النسخ وتغير الأحكام بتغير الأزمان.
٢. التحريم العقابي طارئ يزول بزوال علته: فالله حرم عليهم بعض الطيبات عقوبة على بغيهم وأكلهم الربا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]؛ فمجيء شريعة الإسلام الخاتمة برفع تلك الأغلال وإحلال الطيبات هو عين الرحمة والحكمة وعودة الأشياء إلى أصلها الإبراهيمي الفطري (تفسير الرازي، ج٨، ص١٣٠؛ درء تعارض العقل والنقل، ج٥، ص٨٥).
الحصر والشمول بـ ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ لتقرير الأصل العام في المطعومات وهو الحل والإباحة، وتضييق دائرة التحريم في المستثنى النذري والعقابي.
التحدي الميداني المفحم ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ وهو من أقوى أدلة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو كانت التوراة تؤيد زعمهم لسارعوا بإحضارها لإسقاط حجته، لكنهم عجزوا وبان كذبهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
استخدام الوثائق المعتمدة عند الخصم لإلزامه بما في كتبه ودحض افتراءاته.
الأصل في الأشياء النافعة والأطعمة الطيبة الإباحة والحل ما لم يرد دليل بالتحريم.
الوجدان الإيماني:
الشكر لله تعالى على شريعة الإسلام السمحة التي رفعت عنا الآصار والأغلال وأحلت لنا الطيبات وحرمت علينا الخبائث.