وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ قالون وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر بإسكان اللام في ﴿وَلْتَكُن﴾ للتخفيف بعد الواو وهي لام الأمر، وقرأ الباقون من العشرة بكسر اللام على الأصل (وَلِتَكُن).
وجزم ﴿تَكُن﴾ بالسكون، وتنوين ﴿أُمَّةٌ﴾ بالرفع اسم تكن، ورفع ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ بالواو خبراً لاسم الإشارة (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٩)مصدر غير محدد٢/٢٤٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت هذه الآية لتقرير صمام الأمان الذي يحفظ المجتمع الإسلامي من الانهيار؛ وهو فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، رقم: ٤٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٩ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وروى أحمد والترمذي وحسنه (رقم: ٢١٦٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٦٩ عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ولتكن منكم أمة
اللام لام الأمر، والأمة هي الجماعة القائمة بأمر الله، و"مِن" إما للتبعيض؛ أي طائفة متفرغة متخصصة مؤهلة، أو لبيان الجنس؛ أي كونوا كلكم أمة بهذه الصفة.
يدعون إلى الخير
الخير العام الكلي؛ وهو الإسلام والقرآن وهداية البشرية إلى التوحيد.
يأمرون بالمعروف
المعروف هو كل ما حسنه الشرع والعقل واستحسنته الفطر السليمة من الطاعات والفضائل.
وينهون عن المنكر
المنكر هو كل ما قبحه الشرع وحرمه ونهى عنه من المعاصي والقبائح.
هم المفلحون
الفلاح هو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب والخلود في النعيم المقيم.
وَلْتَكُن
الواو عاطفة، اللام لام الأمر، تكن مضارع ناقص مجزوم بالسكون.
مِّنكُمْ
جار ومجرور خبر تكن مقدم.
أُمَّةٌ
اسم تكن مؤخر مرفوع بالضمة.
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
يدعون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وإلى الخير متعلقان بيدعون، والجملة في محل رفع نعت لأمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تلازم عضوي مع آية الاعتصام: بعد أن أمرهم بالاعتصام بحبل الله والنهي عن التفرق ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، جاءت هذه الآية لتبين "الجهاز المناعي والحارس الأمين" لهذا الاعتصام وتلك الأخوة؛ فالأخوة لا تدوم والاعتصام لا يستقر إلا إذا وجد من يحرس القيم، ويأمر بالمعروف، ويقاوم المنكر والفساد قبل أن يستشري فيغرق السفينة كلها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل الأمر بالمعروف فرض عين أم فرض كفاية؟ ودلالة "مِن" في قوله "ولتكن منكم":
المحاكمة العقلية والتحقيق الأصولي:
١. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له مرتبتان:
- مرتبة كفائية تخصصية: وهي التي تحتاج إلى علم دقيق، وقدرة على الاستنباط، وتفرغ للدعوة ومخاطبة الحكام وتسيير الحسبة؛ وهذه تتناولها "مِن" التبعيضية؛ إذ لا يستطيع كل أفراد المجتمع القيام بهذا العبء التخصصي.
- ومرتبة عينية على كل مسلم: وهي الأمر بالواجبات الظاهرة (كالصلاة وبر الوالدين) والنهي عن المحرمات القطعية (كالزنا والسرقة وشرب الخمر) كل بحسب طاقته واستطاعته (باليد لمن ملك، وباللسان، وبالقلب للجميع)، ولهذا رجح المحققون كابن تيمية وابن كثير أن الأصل فرض كفاية يعين في مواضع محددة (مجموع الفتاوى، ج٢٨، ص١٢٠-١٣٥؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص١٦٥).
الترتيب المنطقي البديع: بدأ بالدعوة إلى ﴿الْخَيْرِ﴾ وهو الأصل الجامع، ثم ثنى بـ ﴿الْمَعْرُوفِ﴾ وهو تفاصيل الطاعات، ثم ثلث بـ ﴿الْمُنكَرِ﴾ وهو دفع المفاسد، فقدم جلب المصالح على درء المفاسد في مقام البناء والترغيب.
قصر الفلاح وحصره فيهم ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ بضمير الفصل وأسلوب الحصر لبيان أن الأمة التي تعطل هذه الفريضة محكوم عليها بالخسران والهلاك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):