أجمع القراء العشرة على جزم غين ﴿يَبْتَغِ﴾ بحذف الياء لأنه فعل الشرط، وكسر التاء، ونصب ﴿غَيْرَ﴾ مفعولاً به، وجر ﴿الْإِسْلَامِ﴾ بالإضافة، ونصب ﴿دِينًا﴾ على التمييز أو حال من غير، وفتح باء ﴿يُقْبَلَ﴾ مبنياً للمجهول منصوباً بلن، وجر ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ بالياء لأنه جمع مذكر سالم (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٥)مصدر غير محدد٢/٢٤٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
هذه الآية هي "المعيار الحاسم والفيصل الأبدي لقضية النجاة والقبول الأخروي"؛ نزلت قاطعة لحبال الأوهام والظنون، ومعلنة نسخ سائر الشرائع السابقة برسالة الإسلام الخاتمة، وبطلان كل تدين يخالف التوحيد وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه.
أخرج أحمد في المسند (رقم: ٨١٣٧)مصدر غير محددحديث رقم ٨١٣٧ ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، رقم: ١٥٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار".
وأخرج النسائي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نزلت هذه الآية ناسخة لكل دين خلا الإسلام، فلا يقبل الله من أحد عملاً ولا ديناً بعد بعثة محمد إلا بالإسلام".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يبتغ
يطلب ويروم ويختار لنفسه معتقداً ومنهاجاً.
غير الإسلام
كل نحلة أو ملة أو ديانة تخالف الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد لشريعة خاتم الرسل، سواء كانت يهودية أو نصرانية محرفة أو وثنية أو إلحاداً.
فلن يقبل منه
نفي مؤبد للتأكيد؛ فالرد قطعي لا رجعة فيه ولا شفاعة تغني عنه.
من الخاسرين
الخسران الأكبر؛ وهو فوات الجنة والرضوان والخلود في دركات النيران.
وَمَن
الواو استئنافية تشريعية، من اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا
يبتغ فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء) فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره هو، غير مفعول به منصوب، الإسلام مضاف إليه، ديناً تمييز منصوب أو حال، وجملة الشرط في محل رفع خبر المبتدأ (أو مع الجواب).
فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، لن حرف نفي ونصب واستقبال، يقبل مضارع مبني لما لم يسم فاعله منصوب بالفتحة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على غير الإسلام (أو الدين أو الابتغاء)، ومنه متعلقان بيقبل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الواو حالية أو عاطفة، هو مبتدأ، في الآخرة متعلقان بمحذوف حال أو بالخاسرين، ومن الخاسرين جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة المنطق التشريعي والعدل الإلهي: بعد أن استعرضت السورة في أكثر من خمسين آية دلائل التوحيد، ومحاجة وفد نجران، وبطلان التثليث، وتبرئة عيسى وإبراهيم، وأخذ ميثاق النبيين على نصرة محمد صلى الله عليه وسلم، جاءت هذه الآية كقاعدة دستورية كلية تحسم الموقف البشري كله: إن الطريق إلى الله واحد لا يتعدد، ومن رغب عن هذا النور بعد بيانه التام فلا يلومن إلا نفسه؛ إذ لن يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعاوى "التعددية الدينية الخلاصية" والزعم بأن كل الأديان توصل إلى الجنة:
ظهر في العصر الحديث من ينادي بوحدة الأديان ويزعم أن اليهودي والنصراني والبوذي ناجون في الآخرة بأديانهم دون الحاجة للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن!
المحاكمة العقلية والتفنيد الصارم بنص الوحي وإجماع الأمة:
١. نص الآية قطعي الثبوت قطعي الدلالة غير قابل للتأويل: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ فصيغة الشرط "مَن" من أقوى صيغ العموم والاستغراق، و"لن" لنفي القبول المؤكد.
٢. التناقض العقلي: كيف يصح عقلاً أن يقبل الله ديناً ينسب إليه الصاحبة والولد، ويشرك معه بشراً، ويكفر بخاتم رسله، ثم يسوي بينه وبين من أفرده بالعبادة ونزهه عن النقائص وعظم رسله؟! إن التسوية بين المتناقضين عين الظلم، والله منزه عن الظلم.
٣. بعثة النبي صلى الله عليه وسلم عامة لكافة الثقلين، وشريعته ناسخة لما قبلها، فمن سمع بدعوته ولم يؤمن به ومات على ذلك فهو كافر بنص حديث مسلم المتواتر وإجماع سلف الأمة وخلفها (مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج١٩، ص٢٣٠-٢٤٥؛ اقتضاء الصراط المستقيم، ج١، ص٧٥-٨٥).