أجمع القراء العشرة على فتح تاء وصاد وضم دال ﴿تَصُدُّونَ﴾ من صَدَّ يَصُدُّ، وكسر عين وفتح واو ﴿عِوَجًا﴾، وجر ﴿شُهَدَاءُ﴾ بالضمة ممنوعاً من الصرف لأنه ملحق بألف التأنيث الممدودة خبراً لأنتم، وجر ﴿بِغَافِلٍ﴾ بالباء الزائدة لتأكيد النفي (التيسير للداني، ص٨٨)مصدر غير محدد٨٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في شأن شاس بن قيس؛ وهو حبر يهودي شيخ شديد الشكيمة في الكفر، مر بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون، فرأى ألفتهم ومحبتهم بعد عداوة الجاهلية الشديدة، فغاظه ذلك وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار! فأمر فتى يهودياً أن يجلس معهم ويذكرهم يوم بُعاث وما قيل فيه من الأشعار، ففعل، فتنازع القوم وتفاخروا وقالوا: السلاح السلاح! وكادت تقع فتنة عظيمة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم مسرعاً وقال: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله للإسلام وألف بين قلوبكم؟!"، فبكوا وعرفوا أنها نزغة شيطان ومكر عدو، وألقوا السلاح وتعانقوا، فأنزل الله في شاس وأصحابه هذه الآية (السيرة النبوية لابن هشام، ج١، ص٥٥٥؛ تفسير الطبري، ج٥، ص٦١٠).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تصدون عن سبيل الله
الصد هو المنع والصرف والتعويق بالحيل والشبهات وبث الفتن بين المؤمنين.
جار ومجرور متعلقان بتصدون، تصدون مضارع والواو فاعل، عن سبيل متعلقان بتصدون، والله مضاف إليه.
مَنْ آمَنَ
من اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لتصدون، وآمن صلته.
تَبْغُونَهَا عِوَجًا
تبغون مضارع وفاعله والهاء مفعول به أول تعود على السبيل، عوجاً مفعول به ثانٍ (أو حال)، والجملة في محل نصب حال من واو تصدون.
وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ
الواو حالية، أنتم مبتدأ، شهداء خبر مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب حال.
وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
الواو استئنافية تذييلية، ما نافية تعمل عمل ليس، الله اسمها مرفوع، الباء حرف جر زائد، غافل خبر ما مجرور لفظاً منصوب محلاً، عما متعلقان بغافل، وتعملون صلته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ارتقاء من توبيخهم على ضلالهم الذاتي ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ إلى توبيخهم على "إفسادهم المتعدي" ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾؛ فبيّن أن جريمتهم لم تقتصر على رفض الحق لأنفسهم، بل تحولت إلى حرب تضليلية شعواء لرد المؤمنين وإشعال نيران النزاع القبلي بينهم والبحث عن أي اعوجاج يشوه صراط الله المستقيم.