قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو المشددة اسم فاعل من سَوَّمَ يُسوِّمُ؛ أي معلّمين لأنفسهم أو خيولهم بعلامات الحرب وسيما الشجاعة.
وقرأ نافع وابن عامر في رواية ويعقوب ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ بفتح الواو المشددة اسم مفعول؛ أي معلَّمين علّمهم الله أو جعل عليهم شارات من الصوف والعمائم الملونة (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٥١)مصدر غير محدد٢/٢٥١.
وعد إلهي مشروط بمضاعفة المدد من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف من الملائكة مسومين، إذا التزم المؤمنون شرطي النصر الكليين: الصبر والتقوى عند مباغتة العدو وهجومه السريع.
أخرج الطبري والحاكم وصححه وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعروة بن الزبير رضي الله عنهم قالوا: "كانت سيما الملائكة يوم بدر: عمائم بيض قد أرخوها بين أكتافهم، وكان على جبريل عليه السلام عمامة صفراء، وسيماهم يوم حنين عمائم حمر، فذلك قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي معلّمين بعلامات الحرب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بلى
حرف إيجاب وتأكيد لوعد الكفاية السابق؛ أي بلى سيكفيكم وزيادة.
من فورهم هذا
الفور هو السرعة والغليان والابتداء العاجل؛ وفور الأمر: أوله وساعته الراهنة؛ أي يأتوكم مسرعين من ساعتهم هذه لقتالكم.
مسوِّمين
التسويم هو جعل السِّيمة والعلامة الفارقة المميزة للفرس أو المقاتل ليعرف بها في القتال، أو إرسال الخيل وإطلاقها في الغارة (من أسأم الماشية إذا أرسلها).
بَلَىٰ
حرف جواب وإيجاب مبني على السكون.
إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا
إن شرطية، تصبروا فعل الشرط والواو فاعل، وتتقوا معطوف عليه مجزومان بحذف النون.
وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا
معطوف مجزوم بحذف النون، والكاف مفعول به، من فورهم متعلقان بيأتوكم، هذا بدل أو نعت لفورهم.
متعلقان بيمددكم، وآلاف مضاف إليه، ومن الملائكة نعت.
مُسَوِّمِينَ
حال منصوبة بالياء من الملائكة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ربط المدد الإلهي بشرطين وجوديين: لم يجعل الله مدد السماء أمراً عشوائياً مجانياً، بل علقه بـ ﴿إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾؛ ليعلم الجيل المسلم أن الملائكة لا تقاتل نيابة عن الكسالى والعصاة، بل تنزل تثبيتاً ومؤازرة لمن رابط في الخندق وصبر على النزال والتزم حدود التقوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تسويم الملائكة واتخاذهم شارات الحرب:
لماذا تتخذ الملائكة علامات الحرب (السيما والعمائم) وهي أرواح نورانية قادرة على إهلاك الأرض بطرفة عين؟
المحاكمة العقلية والبعد النفسي والتربوي:
١. مراعاة عالم الأسباب والسنن المشهودة للبشر؛ فنزول الملائكة على خيل مسومة بعمائم بيض أو صفر موافقة لسنن القتال يملأ قلوب المؤمنين أنساً وثقة، ويملأ قلوب المشركين رعباً وهلعاً حين يرون فرساناً غير مألوفين يقاتلون ببطولة خارقة.
٢. إقرار مشروعية اتخاذ شارات التميز والشعارات الحربية في الجيوش المسلمة (كألوية الحرب والرايات والزي العسكري الموحد)؛ اقتداءً بجند الله من الملائكة المقربين (زاد المعاد، ج٣، ص٢١٥؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص١٩٥).