قرأ ابن كثير: ﴿وَكَائِن﴾ على وزن (كاعِن) بهمزة بعدها ألف ممدودة، وقرأ الباقون: ﴿وَكَأَيِّن﴾ بياء مشددة مكسورة بعد الهمزة المفتوحة، وهي لغات فصيحة بمعنى (كم) التكثيرية.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ﴿قُتِلَ مَعَهُ﴾ بضم القاف وكسر التاء مبنياً للمجهول، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف العاشر وأبو جعفر: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾ بفتح القاف والألف وفتح التاء مبنياً للمعلوم. وتوجيه قراءة (قُتِل): إما قتل النبي وحده فثبت الربيون، وإما قتل بعض الربيين. وتوجيه قراءة (قاتل): انخرط معه في الحرب الجموع الصادقة (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٤٥؛ معاني القرآن للأخفش، ج١، ص٢٠٥).
سياق الأثر:
ضرب المثل العملي من تاريخ الأنبياء السابقين لتثبيت الصحابة الكرام؛ أي لستم أول من ابتلي بالقتال أو استشهد نبيه أو أصحابه، بل مضت القرون وأتباع الأنبياء يقاتلون ولا يستكينون.
أخرج الطبري (ج٥، ص٨٢٦)مصدر غير محدد٥/٨٢٦ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال: "هم الجموع الكثيرة والجماعات من العلماء والفقهاء وأهل البصيرة المنسوبون إلى الرب تعالى".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وكأين
اسم مركب يدل على التكثير والتعظيم، وتدخل عليها (مِن) الزائدة للتمييز.
الربيون
جمع رِبّيّ بكسر الراء، وهم الجموع والآلاف المؤلفة، وقيل: الربانيون المنسوبون إلى معرفة الرب وعبادته، وقيل: الجماعات المتفقهة في الدين.
فما وهنوا
ما فترت عزائمهم النفسية والقلبية.
وما ضعفوا
في أبدانهم وقواهم المادية وحيلتهم في الحرب.
وما استكانوا
الاستكانة هي الذلة والخضوع والخنوع للعدو؛ مأخوذة من السكون على ضعة، أو من الكينونة.
وَكَأَيِّن
الواو استئنافية، كأين اسم كناية عن عدد كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
مِّن نَّبِيٍّ
من حرف جر زائد بياني، نبي تمييز لكأين مجرور لفظاً منصوب محلاً.
قَاتَلَ مَعَهُ
جملة فعلية، قاتل فعل ماض، معه ظرف مكان متعلق بمحذوف حال، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (كأين)، أو نعت لـ (نبي).
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
ربيون فاعل قاتل مرفوع بالواو، كثير نعت مرفوع بالضمة (وجاء نعت الجمع بالمفرد لأنه في معنى الجمع الكلي أو الجمع كالفوج).
فَمَا وَهَنُوا
الفاء عاطفة، ما نافية، وهنوا: فعل ماض وفاعله.
لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
اللام جارة، ما موصولة، أصابهم: صلة الموصول، في سبيل الله: متعلق بأصابهم.
وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا
معطوفان على (ما وهنوا).
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
استئنافية، ثناء إلهي ومحبة لمن صبر على هذا النعت الشريف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أعظم استدعاء للذاكرة الإيمانية والجهادية في تاريخ النبوات؛ فعندما كان الصحابة يتألمون من انكسار أحد وإشاعة مقتل الرسول، نزل هذا النموذج التاريخي الحي ليقول لهم: هكذا كان أتباع الأنبياء من قبلكم، لم يكن إيمانهم مرهوناً بحياة أنبيائهم، بل ثبتوا وقاتلوا، ونفى عنهم القرآن ثلاث رذائل:
الوهن في العزيمة والقلب.
والضعف في الجوارح والأبدان.
والاستكانة والذل أمام العدو.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع إشكال التنافي بين الحزن البشري الطبيعي ونفي الوهن والضعف:
قد يقول قائل: ألم يحزن الصحابة وألم تدمَ أجسادهم يوم أحد، فكيف ينفي الوهن والضعف عن الربيين؟
والتحقيق: أن المشاعر البشرية الفطرية من ألم الجراح والحزن على فقد الأحبة لا تنافي الشجاعة والصبر، وإنما المنفي هو "الوهن" الذي يكسر العزيمة ويفسد نية القتال، و"الضعف" الذي يورث التخاذل والقعود عن مواجهة العدو، و"الاستكانة" التي تجعل المؤمنين يستجدون الصلح المذل على حساب الدين وعزته. فالربيون تألموا وجُرحوا ولكنهم لم ينهزموا من الداخل (تفسير القرطبي، ج٤، ص٢١٩؛ مدارج السالكين، ج٢، ص١٦٠).