أجمع القراء العشرة على نصب ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ على الحالية، وجر ﴿عَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ معطوفاً على موضع الحال، ونصب ﴿بَاطِلًا﴾ على الحالية أو المفعول المطلق، ونصب نون ﴿سُبْحَانَكَ﴾ على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، وبناء ﴿فَقِنَا﴾ على حذف حرف العلة للدعاء ونا مفعول به (التيسير، ص٩٣؛ النشر، ج٢، ص٢٥٦).
أسباب النزول وسياق الأثر:
بيان صفات أولئك الصفوة من "أولي الألباب"؛ الذين جمعوا بين عمارة اللسان والقلب بالذكر في كل أحوالهم، وعمارة العقل بالتدبر والتفكر في آيات الله الكونية، وصولاً إلى التسبيح والخوف من النار.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التقصير، باب إذا لم يطق قاعداً صلى على جنبه، رقم: ١١١٧)مصدر غير محددحديث رقم ١١١٧ عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: "كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب". واستدل الفقهاء بهذه الآية والحديث على جواز الصلاة على الهيئات الثلاث عند العذر.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير الطبري (ج٥، ص١٠٠٢)مصدر غير محدد٥/١٠٠٢ عن ابن عباس قال: "يذكرون الله في صلاتهم وفي غير صلاتهم، قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم؛ أي في كل أحوالهم وأوقاتهم لا يفترون عن ذكر الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم
استيعاب لحالات الإنسان الجسدية الثلاث؛ فلا يخرج البدن عن كونه قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً على جنبه؛ والمعنى: دوام الذكر وملازمته في سائر الأحوال.
يتفكرون
التفكر إعمال العقل واستحضار الأدلة بالبصيرة للوصول إلى الحقيقة.
ما خلقت هذا باطلاً
ما خلقته عبثاً ولا سدى ولا لعباً، بل بالحق وللحق وللعدل والجزاء.
سبحانك
تنزيهاً وتقديساً لك وتبرئة لجنابك العلي عن العبث والظلم والنقص.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل جر نعت لـ (أولي الألباب) أو بدل منه (أو مبتدأ خبره جملة ربنا ما خلقت هذا).
يَذْكُرُونَ اللَّهَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، لفظ الجلالة مفعول به، والجملة صلة الموصول.
قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ
قياماً حال منصوبة، قعوداً معطوف عليه، وعلى جنوبهم جار ومجرور معطوف على موضع الحال.
منادى مضاف ونا مضاف إليه، بحذف حرف النداء، وجملة النداء وما بعدها مقول لقول محذوف في محل نصب حال؛ أي قائلين ربنا.
مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا
ما نافية، خلقت ماض وفاعله، هذا مفعول به، باطلاً حال من اسم الإشارة أو نعت لمصدر محذوف (خلقاً باطلاً).
سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
سبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف، الفاء فصيحة، قنا فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر ونا مفعول أول، عذاب مفعول ثانٍ، النار مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناغم عبقري يجمع بين "أجنحة العبودية الكاملة":
الجناح الأول: الذكر الدائم باللسان والقلب في جميع الحالات (قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم).
الجناح الثاني: الفكر العميق بالعقل والبصيرة في عظمة الأكوان.
النتيجة الحتمية: الإقرار بأن الكون مخلوق بالحق لحكمة بالغة، فلا بد من بعث وجزاء وحساب، فيثمر هذا اليقين الخوف من النار والدعاء بالنجاة: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فالفكر يقود إلى الذكر، والذكر يغذي الفكر، والنتيجة عبودية وخوف ورجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان على حتمية اليوم الآخر والبعث من خلال نفي العبث عن الخلق:
تستنبط الآية عقيدة "البعث والجزاء" ببرهان عقلي كوني لا يقبل النقض: لو انتهت الحياة البشرية بموت الظالم والمظلوم دون محكمة أخروية يُنصف فيها المظلوم ويعاقب الظالم، لكان خلق هذا الكون البديع بما فيه من عقول وشرائع وتكاليف "عبثاً وباطلاً" حاشا لله! وبما أن الله حكيم منزه عن العبث ﴿مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾، ثبت بالضرورة العقلية وجود يوم القيامة والجنة والنار لإقامة العدل التام (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص٢٦٥؛ تفسير الرازي، ج٩، ص١٥٨).
الاستيعاب بالمطابقة الثلاثية: (قياماً، وقعوداً، وعلى جنوبهم)؛ حصر لجميع هيئات التقلب الإنساني؛ دلالة على استغراق الأوقات كلها في طاعة الله.
التعبير باسم الإشارة المفرد ﴿هَٰذَا﴾ في معرض الجمع: أشار إلى السماوات والأرض وما فيهما بلفظ (هذا)؛ للإشارة إلى الكون كله ككيان واحد متماسك متناسق يبهر العقول بوحدته وكماله.
الربط السببي بالفاء في ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: إشعار بأن تنزيه الله والإيمان بحكمته يقتضي الخوف من عقابه والاستجارة برحمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع المتوازن بين "الذكر الروحي" و"البحث والتفكر العلمي العقلي"؛ فالإسلام دين العقل والروح معاً.
دوام استحضار ذكر الله في كل هيئة وعلى كل حال؛ في العمل والبيت والقيام والقعود والاضطجاع.