وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح واو ﴿أَوَّلَ﴾ اسماً لإن، وكسر لام التوكيد المزحلقة في ﴿لَلَّذِي﴾ وهو اسم موصول خبر إن، وكسر بائي ﴿بِبَكَّةَ﴾ وجر التاء بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث، ونصب ﴿مُبَارَكًا﴾ و﴿وَهُدًى﴾ على الحال من الضمير في الصلة أو من الذي (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٨)مصدر غير محدد٢/٢٤٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
رد على شبهة خطيرة أثارها اليهود بالمدينة حول تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة؛ إذ قالوا: إن بيت المقدس أقدم وأعظم من الكعبة، وهو قبلة الأنبياء، فكيف تتركونه وتستقبلون الكعبة؟!
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأنبياء، باب بناء الكعبة، رقم: ٣٣٦٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٦٦ ومسلم (كتاب المساجد، رقم: ٥٢٠)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢٠ عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: "قلتُ: يا رسول الله، أيُّ مسجد وُضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قلتُ: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلتُ: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة فصلِّ فإنه مسجد".
فبين الله تعالى أن الكعبة المشرفة بمكة هي أول بيت وُضع لعبادة الله في الأرض قاطبة، وأن بناءها وتأسيسها متقدم تاريخياً بقرون طويلة على بناء المسجد الأقصى وسليمان وموسى عليهما السلام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أول بيت وضع للناس
أول موضع ومبنى جُعل في الأرض لعبادة الله وإقامة نسكه ومناسكه، وضعه الله لعباده ليعبدوه فيه ويقصدوه بالحج والطواف والصلاة.
ببكة
بكة اسم من أسماء مكة المكرمة، وسُميت بكة إما لأنها تبُكّ أعناق الجبابرة والظالمين وتدقهم إذا أرادوها بسوء، أو لازدحام الناس وتراكبهم فيها وطوافهم (من البكّ وهو الزحام)، وقيل بكة هي موضع الكعبة والمسجد الحرام خاصة، ومكة هي البلد كله.
مباركاً
كثير البركات والخيرات الدينية والأخروية والدنيوية، فمضاعفة الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وأرزاق الثمرات تجبى إليه من كل أوب.
وهدى للعالمين
مناراً للهداية ومقصداً للتوحيد يقتدي به الخلق في صلاتهم وقبلتهم ومناسكهم.
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
إن واسمها منصوب، وبيت مضاف إليه مجرور.
وُضِعَ لِلنَّاسِ
وضع ماض مبني لما لم يسم فاعله ونائب الفاعل مستتر يعود على بيت، وللناس متعلقان بوضع، والجملة في محل نصب نعت لبيت.
لَلَّذِي بِبَكَّةَ
اللام المزحلقة، الذي اسم موصول مبني في محل رفع خبر إن، ببكة جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول تقديره (استقر ببكة).
مُبَارَكًا
حال منصوبة من الضمير المستكن في الصلة (أو من الموصول).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انتقال برهاني عبقري يربط ملة إبراهيم بقبلة إبراهيم: لما أمر في الآية السابقة باتباع ملة إبراهيم ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، واحتج اليهود بأن قبلتهم في الشام أقدم وأحق، نقض القرآن حجتهم بالتاريخ الجغرافي للعبادة؛ فبين أن أول بيت وُضع لعبادة الله على وجه البسيطة هو الكعبة التي بناها ورفع قواعدها إبراهيم وإسماعيل ببكة، فكان استقبالها في الصلاة والحج إليها عوداً حميداً إلى أصل بيوت الله وأقدمها شرفاً وبركة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة أقدمية بيت المقدس وتفضيله على الكعبة:
زعم أحبار اليهود أن بيت المقدس بناه يعقوب وسليمان وهو أقدم بيوت العبادة!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة بنصوص الوحي والتاريخ:
١. ثبت بالحديث الصحيح المتواتر وإجماع الأمة أن المسجد الحرام وضع أولاً، ثم وضع المسجد الأقصى بعده بأربعين سنة (بناه آدم أو رفع قواعده إبراهيم، ثم جدده سليمان بعد ذلك بقرون).
٢. الكعبة المشرفة بمكة أسبق بناءً وتاريخاً من وجود يعقوب وموسى وبني إسرائيل أنفسهم؛ فإبراهيم وإسماعيل بنيا الكعبة قبل ولادة الأسباط وظهور بني إسرائيل؛ فدعوى أسبقية بيت المقدس ساقطة عقلاً وتاريخياً.
٣. البركة والهدى المشهودان بمكة لا نظير لهما في بقعة على وجه الأرض من تدفق القلوب واجتماع ملايين البشر على اختلاف ألسنتهم وألوانهم في مظهر توحيدي فريد (تفسير ابن كثير، ج٢، ص٨٠؛ زاد المعاد لابن القيم، ج٣، ص٣٠-٣٥).
توكيد الجملة الاسمية بـ ﴿إِنَّ﴾ ولام الابتداء المزحلقة ﴿لَلَّذِي﴾ لتقرير هذه الحقيقة التاريخية الكبرى في وجه إنكار اليهود.
التعبير بالوصفين المشتقين ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى﴾ حالين ملازمين؛ للإفادة بأن البركة والهدى صفتان ذاتيتان مستقرتان في هذا البيت الشريف لا تنفكان عنه أبداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
مكانة مكة والمسجد الحرام وفضلهما المطلق على سائر بقاع الأرض.
إدراك المسلم لعراقة قبلته؛ فهو يتوجه إلى أول بيت بني لتوحيد الله في تاريخ البشرية جمعاء.
الوجدان الإيماني:
فيضان الشوق والمحبة لبيت الله الحرام ببكة، واستشعار البركة والهداية عند الطواف به والصلاة في رحابه الطاهرة.