أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 3042)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٤٢ وابن جرير في «جامع البيان» (6/304)جامع البيانالطبري٦/٣٠٤ والواحدي في «أسباب النزول» عن قتادة وابن عباس ومقاتل قالوا: «لَمَّا خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الخَنْدَقَ عَامَ الأَحْزَابِ، ضَرَبَ صَخْرَةً فَصَدَعَهَا وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَتْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ مَدَائِنَ كِسْرَى وَقُصُورَهَا الْبِيضَ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الرُّومِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ حِمْيَرَ وَالْيَمَنِ... فَقَالَ المُنَافِقُونَ وَاليَهُودُ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ يُعِدُكُمْ قُصُورَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَأَنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ وَلَا يَأْمَنُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبْرُزَ لِحَاجَتِهِ؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾».
وقيل: نزلت حين سأل أهل الكتاب والنصارى واليهود أن تكون النبوة والملك فيهم دون العرب، فأخبر الله أنه يعطي فضله وملكه ونبوته لمن يشاء.
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾: كسر اللام لالتقاء الساكنين، والميم المشددة في «اللهم» عوض عن ياء النداء المحذوفة عند سيبويه وجمهور النحاة، ونصب «مالك الملك» على النداء المضاف؛ أي يا مالك الملك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مَالِكَ الْمُلْكِ: المالك هو المتصرف بحق التصرف التام، والملك هو السلطان والنفوذ والتصرف في أمور العباد والأكوان؛ فالله هو مالك كل ذرة وكل حكم وسلطان في السماوات والأرض.
تَنْزِعُ: النَّزْع هو القلع والانتزاع بشدة وقهر، والتعبير بالنزع دلالة على تعلق الملوك بعروشهم وسلطانهم واستحكام قبصتهم عليها، فلا تزول إلا بانتزاع إلهي قاهر يقصم ظهورهم.
بِيَدِكَ الْخَيْرُ: تقديم الجار والمجرور للحصر؛ أي الخير كله بيدك ومنك، وخص الخير بالذكر لأن أفعال الله كلها صادرة عن الحكمة والعدل والرحمة، والشر إنما يقع في المفعولات لا في فعل الله المحض؛ كما في دعاء الاستفتاح النبوي: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (صحيح مسلم: 771).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد على استكبار أهل الكتاب ونقل مركز القيادة الحضارية:
بعد أن فضح كبر اليهود والنصارى وتوليهم وقولهم لن تمسنا النار، بين الله في هذا الدعاء الجليل قانون تداول الحضارات والأمم؛ فالملك والنبوة ليسا إرثاً قبلياً محتكراً لبني إسرائيل، بل هو ملك لله الواحد القهار: يسلبه ممن بغى وبدل (اليهود والنصارى)، ويؤتيه لمن آمن وانقاد (النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته المرحومة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل إيتاء الملك للكافر الظالم بتقدير الله ورضاه؟:
المحاكمة العقدية عند أهل السنة: هناك فرق جوهري بين «الإرادة الكونية القدرية» و«الإرادة الدينية الشرعية»:
الإرادة الكونية: يدخل فيها كل ما يقع في الوجود من ملك كافر (كنمرود وفرعون) أو مؤمن (كسليمان وذي القرنين)؛ لحكم بالغة في الابتلاء والاستدراج وسوق المقادير.
الإرادة الشرعية: لا يحب الله فيها إلا العدل والإيمان وأهل الطاعة، وإيتاء الملك للكافر ليس دليلاً على محبته أو رضاه، بل هو استدراج وتمحيص، وعاقبته النزع والإذلال والهلاك.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ يقابله: ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾.
ليشهد العقل تصاريف الملكوت بين المنح والسلب، والرفع والخفض، فلا يركن عاقل إلى عز فانٍ، ولا ييأس مظلوم من فرج قريب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التجرد لله وسقوط الخوف من الطغاة:
هذا المشهد يحرر قلب المؤمن من الخوف من الملوك والجبابرة؛ فما بأيديهم من سلطان إنما هو عارية مستردة ينزعها الله في طرفة عين، والعز الحقيقي إنما يطلب من طاعة الله: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا».