قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ﴿وَمَا يَفْعَلُوا﴾ و﴿فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ بالياء التحتية على الغيبة عائداً على مؤمني أهل الكتاب المذكورين في الآيات السابقة.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب وشعبة عن عاصم ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ و﴿فَلَن تُكْفَرُوهُ﴾ بتاء الخطاب موجهاً لعموم المؤمنين، والقراءتان متكاملتان؛ فالغيبة تنصيص على مؤمني أهل الكتاب، والخطاب تعميم للأمة كلها بأن كل خير يقدمه المسلم فلن يُضيع الله أجره وثوابه (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٥٠)مصدر غير محدد٢/٢٥٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
ضمان رباني قاطع بأن أعمال البر والطاعات التي يقدمها هؤلاء المؤمنون لن تبطل ولن تضيع، بل هي محفوظة موفورة عند الله العليم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ أي: فلن يضيع عند الله ولا يُحرموا ثوابه، بل يشكره الله لهم ويثيبهم عليه بالجنة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وما يفعلوا من خير
"من" لاستغراق الجنس وتوكيد النفي والشرط؛ قليلاً كان الخير أو كثيراً، جليلاً أو دقيقاً.
فلن يكفروه
الكفران هنا هو ضد الشكر؛ وهو ستر النعمة وإضاعتها وجحودها، والمعنى: فلن يجحده الله ولن يضيعه عليهم، بل يجازيهم عليه بالوفاء والشكر المضاعف؛ فالكفر في أصل اللغة هو الستر.
الواو استئنافية شرطية، ما اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم ليفعلوا، يفعلوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، من خير جار ومجرور حال أو تمييز لـ "ما".
فَلَن يُكْفَرُوهُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، لن ناصبة، يكفروه مضارع مبني للمجهول منصوب بحذف النون، والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول، والهاء مفعول به ثانٍ، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج ناصع وبشارة ختامية لتلك الفئة المؤمنة: بعد أن ذكر تلاوتهم وسجودهم وأمرهم بالمعروف ومسارعتهم في الخيرات، جاءت هذه الآية لتطمئن قلوبهم وترسخ يقينهم بأن كل حركة وسكنة وبذل وسجود لن يُجحد ولن يضيع عند الشكور الحليم سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة التعبير بـ "فلن يكفروه" ونسبة نفي الكفران إلى الله:
كيف يستعمل لفظ "الكفران" في حق الله تعالى؟
المحاكمة العقلية واللغوية:
الكفران في لسان العرب هو ستر الفضل وتضييعه وجحوده؛ فإذا قيل "كفر فلان النعمة" أي جحدها ولم يشكرها، وإذا قيل في حق الله: ﴿فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ فهو من باب المشاكلة اللفظية والتعبير بالضد لنفي الظلم وإثبات كمال الشكر؛ أي: فلن يستر الله أجر عملكم، بل يشكره لكم ويظهره ويثيبكم عليه بأعظم الجزاء، وهو مصداق قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧] (معاني القرآن للزجاج، ج١، ص٤٤٥؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص١٨٠).
التعبير بـ ﴿لَن يُكْفَرُوهُ﴾ ببناء الفعل للمجهول ونفي الكفران بلن المؤبدة؛ للإشعار بأن حفظ العمل الصالح حقيقة ثابتة ومسلم بها عند الخالق وعند سائر خلقه.
التنكير في ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ مع حرف الجر "من" لبيان أن أصغر قطرة خير كإماطة الأذى أو تبسم في وجه أخ محفوظة ومثمنة عند الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
عدم احتقار أي عمل صالح؛ فكل معروف صدقة ومحفوظ عند الله لا يضيع منه مثقال ذرة.
ربط قبول الأعمال بالتقوى والإخلاص ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
الوجدان الإيماني:
سكينة القلب إلى شكر الله وكرمه؛ فالعبد يتعامل مع رب شكور حليم لا يضيع أجر من أحسن عملاً.