وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح لام القسم وضم باء وواو مشددة مضمومة ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ وضم عين ونون مشددة ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ حذفت منهما نون الرفع لتوالي الأمثال وحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين مع نون التوكيد الثقيلة، ونصب ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ مفعولاً به، وكسر همزة ﴿إِنَّ﴾ في قوله ﴿فَإِنَّ ذَٰلِكَ﴾ رابطة لجواب الشرط (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٥؛ الدر المصون، ج٣، ص٤٧٠).
أسباب النزول وسياق الأثر:
تأهيل وتوطين لنفوس الصحابة والأمة كلها على احتمال المحن والابتلاءات وحروب الإشاعات والطعن في العقيدة قبل وقوعها، لئلا تفاجئهم الخطوب فينهاروا.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب، رقم: ٤٥٦٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٦٦ ومسلم (كتاب الجهاد والسير، رقم: ١٧٩٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٩٩ عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً عليه إكاف تحته قطيفة فدكية وأردف أسامة وراءه وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، فمر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبيّ بن سلول وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا! ثم سلم النبي ونزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه! فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك! فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي يخفضهم حتى سكتوا... وكان النبي يعفو ويصفح حتى أمر بالقتال، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾".
ونزلت أيضاً في شأن كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويشبب بنساء المسلمين ويؤلب عليهم قريشاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لتبلون
الابتلاء هو الاختبار والامتحان الشاق؛ بالقسم المؤكد بالنون.
في أموالكم
بالخسائر والإنفاق الواجب والجوائح وسلب الأموال في الهجرة والجهاد.
الطعن في الدين والرسول والتشكيك في الوحي ونشر الشائعات والسب والسخرية وحرب الدعاية المسمومة.
عزم الأمور
الأمور العظيمة المحتومة الصادقة التي يعزم عليها أهل البصائر لكمال فضلها وقوتها؛ مأخوذ من عزم الأمر إذا حق وثبت.
لَتُبْلَوُنَّ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، تبلون مضارع مبني للمجهول مرفوع بنون الرفع المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين نائب فاعل، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له.
فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ
متعلقان بتبلون.
وَلَتَسْمَعُنَّ
معطوف على تبلون بإعرابه، والفاعل واو الجماعة المحذوفة.
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ
جار ومجرور متعلقان بتسمعن، أوتوا ماض ومفعول أول وواو الجماعة نائب فاعل، الكتاب مفعول ثانٍ، من قبلكم متعلق بأوتوا.
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
معطوف على المجرور قبله.
أَذًى كَثِيرًا
أذى مفعول به لتسمعن منصوب بفتحة مقدرة، كثيراً نعت لأذى.
وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا
الواو استئنافية، إن شرطية جازمة، تصبروا فعل الشرط مجزوم بحذف النون، وتتقوا معطوف عليه.
فَإِنَّ ذَٰلِكَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، إن حرف توكيد ونصب، ذلك اسمها.
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
جار ومجرور ومضاف إليه في محل رفع خبر إن، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدريب نفسي وتربوي استباقي شديد الإحكام؛ فالإنسان إذا فوجئ بالمكروه جزع وانهار، أما إذا أُخبر به مقدماً وأُكد له بيمين قطعية ومواثيق مسبقة: (لتبلون ولتسمعن)، فإنه يوطن نفسه على الصمود، ويزول عنه عنصر المباغتة، فإذا نزل البلاء استقبله برباطة جأش وثبات ويقين، ثم زوده القرآن بالسلاحين اللذين يدحران كل بلاء: (الصبر) على ألم المصائب وأذى الألسن، و(التقوى) بملازمة حدود الله وعدم الانجرار إلى ردات الفعل المحرمة، مؤكداً أن هذا الصمود هو قمة الشجاعة والرجولة الإيمانية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان على حتمية الصدام الفكري والإعلامي بين الحق والباطل:
تؤصل الآية لقانون "الحرب النفسية والإعلامية ضد الأمة الإسلامية"؛ فالباطل لا يسكت عن الحق أبداً، بل يشن عليه حرباً من الشائعات والتشويه والأذى اللساني ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾. وتأمر الآية بمقابلة هذا الأذى بقاعدة: "الصبر الإيجابي والتقوى"؛ فالصبر لا يعني الذل والاستسلام، بل يعني الثبات على المبدأ وعدم الانجرار إلى المعارك الجانبية التي يخطط لها العدو، والتقوى تضمن بقاء المعركة في إطار الأخلاق الشرعية دون بغي ولا عدوان (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٢٨، ص٢٤٠؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٤٤).