وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ قالون وورش والبزي وأبو عمرو ويعقوب بتسهيل همزة ﴿هَا أَنتُمْ﴾ أو إبدالها، وقنبل بإسقاط الألف وتحقيق الهمزة، والباقون بإثبات الألف وتحقيق الهمزة والمد على أصولهم (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢١٤)مصدر غير محدد٢/٢١٤.
ونصب ﴿كُلِّهِ﴾ توكيداً للكتاب المنصوب بالباء محلاً، وفتح نون وميم ﴿الْأَنَامِلَ﴾ جمع أُنْمُلة وهي طرف الإصبع، وكسر غين ﴿الْغَيْظِ﴾ و﴿بِغَيْظِكُمْ﴾، وكسر تاء ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تصوير سيكولوجي وحركي دقيق لمكر المنافقين واليهود بالمدينة، ومواجهتهم بالمشاعر الحقيقية المتبادلة بينهم وبين المسلمين؛ بياناً لغفلة بعض المسلمين الذين يحسنون الظن بهم بينما يبطنون هم أقصى درجات الحقد والغيظ.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي تحسنون إليهم وتوادونهم لقرابتهم وحلفهم، ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لما في قلوبهم من الكفر والعداوة، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ بكتبهم وكتابكم وهم يكفرون بكتابكم، فإذا لقوكم أظهروا الإسلام نفاقاً، وإذا خلوا بمجالسهم عضوا أصابعهم من شدة الغيظ والحنق على نصركم واجتماعكم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ها أنتم أولاء
أسلوب تنبيه وتعجيب من سلامة قلوبكم وغفلتكم عن خبثهم.
تحبونهم ولا يحبونكم
مفارقة نفسية وعقدية صارخة بين نقاء المسلمين ومكر أعدائهم.
وتؤمنون بالكتاب كله
بالقرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية، وهم يكفرون بقرآنكم ونبيكم، فأنتم أهدى وأعدل منهم.
عضوا عليكم الأنامل
الأنامل جمع أنملة وهي مفاصل الأصابع وأطرافها، وعض الأنامل كناية حسية عربية مشهورة عن شدة الغيظ والحنق والحسرة والعجز عن البطش.
قل موتوا بغيظكم
دعاء عليهم وأمر تهديد وخزي؛ أي استمروا في غيظكم حتى تهلكوا كمداً، فإن الله متم نوره ومظهر دينه وناصر نبيه.
عليم بذات الصدور
الخفايا والنيات والأسرار التي تستقر في حبات القلوب وصناديق الصدور.
هَا أَنتُمْ أُولَاءِ
ها حرف تنبيه، أنتم مبتدأ، أولاء اسم إشارة خبر أول (أو منادى).
تُحِبُّونَهُمْ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة خبر ثانٍ لأنتم (أو حال).
وَلَا يُحِبُّونَكُمْ
الواو حالية، لا نافية، يحبونكم مضارع مرفوع والجملة في محل نصب حال.
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ
معطوف، بالكتاب جار ومجرور، كله توكيد معنوي مجرور.
وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا
شرط غير جازم، إذا ظرفية، لقوكم فعل الشرط، قالوا آمنا جوابه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مشهد مسرحي واقعي يفضح النفاق والغل الباطن: واجه القرآن نفوس المؤمنين الساذجة التي تظن أن العدو يبادلها الود بالود، برسم لقطتين متناقضتين للمنافقين واليهود:
اللقطة الأولى في العلن: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاق وتملق وخداع.
واللقطة الثانية في السر والخلوة: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ مشهد حركي رهيب يصور تمزقهم الداخلي حسداً على عز الإسلام.
ثم ختم بالرد الإلهي القاصم لظهورهم: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ لبيان أن غيظهم لن يوقف مسيرة الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة العض على الأنامل والتحليل النفسي للعداوة الدفينة:
كيف يصف القرآن انفعالات باطنة دارت في بيوت المنافقين وخلواتهم؟
المحاكمة العقلية والإعجاز الغيبي النفسي:
هذا التجسيد الحركي البارع ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ لم يكن مشهوداً لأحد من الصحابة، بل هو فضح إلهي لما يدور خلف الأبواب الموصدة في مجالس التآمر؛ فالغيظ المكتوم حين يعجز صاحبه عن تفريغه بالانتقام يتحول إلى حركة عصبية لا إرادية بعض أطراف الأصابع ندامة وغيظاً. فلما نزل القرآن بهذا الوصف بهت المنافقون لعلمهم أن سرهم قد انكشف عياناً (تفسير الطبري، ج٥، ص٧١٠؛ زاد المسير، ج١، ص٤٣٥).