وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على كسر همزة ﴿إِنَّ﴾، ونصب ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مفعولاً به ليشترون، ورفع ﴿لَا خَلَاقَ﴾ بالبناء على الفتح اسماً للا النافية للجنس، ورفع ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ﴾ و﴿وَلَا يَنظُرُ﴾ و﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ بالمضارع المرفوع لتجرده عن الناصب والجازم (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٢)مصدر غير محدد٢/٢٤٢.
أسباب النزول وسياق الأثر:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأيمان والنذور، رقم: ٦٦٥٩)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٥٩ ومسلم (كتاب الإيمان، رقم: ١٣٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٨ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ...﴾ الآية، فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيّ والله أنزلت! كانت بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله: ألك بينة؟ قلت: لا، فقال لليهودي: احلف! فقلت: يا رسول الله، إذاً يحلف ويذهب بمالي! فأنزل الله هذه الآية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يشترون
يستبدلون ويعتاضون، والاستعارة هنا لتصوير بيعهم للآخرة والدين في مقابل عرض الدنيا الفاني.
بعهد الله وأيمانهم
عهد الله بالتزام الصدق والإيمان بنبيه، وأيمانهم: جمع يمين وهو الحلف الكاذب بالله لأكل أموال الناس أو كتمان الحق.
ثمناً قليلاً
حطام الدنيا وزخرفها الزائل؛ فكل الدنيا من أولها إلى آخرها ثمن قليل حقير إذا قورن بفقدان رضوان الله والجنة.
لا خلاق لهم
الخلاق هو النصيب والحظ والوافر من الخير والرحمة والنعيم في الآخرة.
جمل فعلية معطوفة في محل رفع أخبار متعاقبة للمبتدأ، ويوم القيامة ظرف زمان متعلق بينظر.
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الواو عاطفة، لهم خبر مقدم، عذاب مبتدأ مؤخر، أليم نعت، والجملة الاسمية (أولئك...) في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وعيد خماسي مهيب متصاعد يقشعر منه الوجدان:
١. حرمان النصيب والرحمة في دار الخلود: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
٢. الحرمان من تكليم الله اللطيف المكرم: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾.
٣. الحرمان من نظر الرحمة والالتفات الإلهي: ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
٤. الحرمان من التطهير والثناء والمغفرة: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾.
٥. إنزال العذاب الحسي المضاعف الموجع: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وهذا التصاعد يرتب العقوبات من العقوبة الروحية والمعنوية الأعظم (الحجاب عن الله وغضبه) إلى العقوبة الجسدية الأليمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اليمين الغموس وحكم شهادة الزور في القضاء:
ما خطورة الحلف الكاذب بالله لاقتطاع حق مالي؟
المحاكمة العقلية والفقهية:
سُميت "اليمين الغموس" لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في قعر جهنم؛ لأن الحالف بها جعل اسم الله العظيم وسيلة رخيصة لسرقة أموال العباد واستحلال الحرام، فاستخف بعظمة الرب واعتدى على حق الضعيف، فاستحق هذا الوعيد التام بسلب الرحمة والتكليم الإلهي (المغني لابن قدامة، دار إحياء التراث، ج١١، ص١٨٠؛ فتح الباري لابن حجر، ج١١، ص٥٥٥).
الاستعارة التصريحية في ﴿يَشْتَرُونَ﴾؛ لإبراز حماقتهم وسوء صفقتهم؛ إذ عاوضوا النعيم السرمدي بعرض دنيوي حقير زائل.
تكرار النفي بـ (لا) أربع مرات: ﴿لَا خَلَاقَ... وَلَا يُكَلِّمُهُمُ... وَلَا يَنظُرُ... وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ لإطباق الحرمان وسد كافة منافذ الرجاء في وجوههم يوم الحساب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
تعظيم اسم الله تعالى وتنزيهه عن أن يُحلف به كذباً وزوراً لمكاسب فانية.
صيانة القضاء والأموال من التغول بالحيل والأيمان الفاجرة.
الوجدان الإيماني:
الوجل الشديد من الحجاب عن الله وغضبه؛ فالمؤمن يرى أن أعظم عذاب هو أن يُحرم من نظر ربه ورضوانه وتكليمه في دار الكرامة.