أجمع القراء العشرة على فتح كاف ﴿إِنَّكَ﴾، وتسكين نون ﴿مَن تُدْخِلِ﴾ وحركت بالكسر للساكنين مجزوماً بـ من الشرطية، وفتح همزة وخاء وكسر زاي ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ ماضياً في جواب الشرط، وكسر ميم ﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾ مجروراً بمن الزائدة لاستغراق النفي (التيسير، ص٩٤)مصدر غير محدد٩٤.
سياق الأثر:
استكمال للدعاء الخاشع والضراعة العلوية لأولي الألباب؛ اعترافاً بهول عذاب النار وما فيه من الإهانة والخزي والفضيحة الأبدية التي لا ناصر يدفعها.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص١٠٠٨)مصدر غير محدد٥/١٠٠٨ عن أنس بن مالك ومجاهد قالا: "﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي فضحته وأهنته وأهلكته على رؤوس الأشهاد، وما للظالمين من ناصر ينصرهم من بأس الله أو يخرجهم من النار".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أخزيته
الخزي هو أشد الذل والفضيحة والمهانة التي تغطي الوجه وتورث الحسرة والعار.
الظالمين
المشركون والكافرون الذين وضعوا العبادة في غير موضعها وظلموا أنفسهم بالكفر.
من أنصار
جمع نصير، و(مِن) لتأكيد استغراق النفي؛ أي ليس لهم أي ناصر أو شفيع يدفع عنهم العذاب.
رَبَّنَا
منادى مضاف ونا مضاف إليه.
إِنَّكَ
إن حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها.
مَن تُدْخِلِ النَّارَ
من اسم شرط جازم مبتدأ، تدخل مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل مستتر والنار مفعول به.
فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق، أخزيته ماض وفاعله ومفعوله والجملة جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ من، وجملة الشرط في محل رفع خبر إنّ.
وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ
الواو استئنافية، ما نافية مهملة، للظالمين خبر مقدم، من حرف جر زائد لاستغراق النفي، أنصار مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن سألوا الوقاية من النار في الآية السابقة: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، عللوا هنا استعاذتهم وخوفهم الشديد منها؛ ببيان أن عذاب جهنم ليس مجرد ألم بدني حسي، بل هو فوق ذلك "خزي نفسي وإهانة وفضيحة عظمى"؛ فالنفس الحرة الزكية تأبى الذل والخزي أشد مما تأبى ألم الجسد؛ ولذا استعاذوا من النار لأن دخولها خزي مطلق وفضيحة أبدية لا انقطاع لها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة استدلال الخوارج بالآية على تخليد مرتكب الكبيرة في النار:
تمسكت الخوارج والمعتزلة بعموم قوله: ﴿مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ للزعم بأن كل من دخل النار من عصاة الموحدين مخلد فيها ولا يخرج منها ولا تنفعه شفاعة!
والتحقيق السني الإجماعي الحاسم:
أولاً: المراد بالخزي هنا: "الخزي المطلق الدائم بالخلود في النار"، وهذا خاص بالكفار والمنافقين؛ كما دل عليه قوله في ختام الآية: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ والظلم إذا أُطلق فالمراد به الشرك الأكبر: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
ثانياً: دلت الأحاديث المتواترة القطعية عن النبي صلى الله عليه وسلم على خروج عصاة الموحدين من النار بالشفاعة؛ فمن دخلها من أهل الكبائر أصابه خزي مقيد مؤقت ثم يخرج بتوحيده وشفاعة الشافعين وفضل أرحم الراحمين؛ فلا يتعارض الخاص مع العام (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٧، ص٤٨٠؛ فتح الباري لابن حجر، ج١١، ص٤٢٨).